Yahoo!

حدث في السابع من ربيع الأول

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 31 يناير 2012 الساعة: 01:01 ص

في السابع من ربيع الأول من سنة 125 توفي في الرُصافة، غربي الرَّقة في سورية، الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم عن 54 عاماً، بعد أن حكم البلاد قرابة 20 عاماً، وكان عملياً آخر خلفاء بني أمية إذ تدهورت الأحوال من بعده تدهوراً سريعاً فلم تمض بضع سنوات إلا وقد دالت دولتهم وانتهى سلطانهم. وأعتذر من الإطالة في سيرته فهو خليفة مغموط الحق بستحق الإطالة لبيان خصاله وإنجازاته.

ولد هشام بن عبد الملك سنة 71 في دمشق، وأمه عائشة بنت هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان عبد الملك قد عهد من بعده إلى بنيه الأربعة الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام بن عبد الملك، وبويع هشام بعد وفاة أخيه يزيد سنة 105 عن 29 عاماً وكانت مدة ولايته 4 سنوات.

تولى هشام الخلافة مدة تقارب عشرين سنة، وكان هشام صاحب دين وحلم، معرضاً عن الملذات منصرفاً عن الجواري والغناء، وكان حسن السياسة، يقظا في أمره، يباشر الأعمال بنفسه، حليماً بطيء الغضب، وكان نقش خاتمه: الحكم للحكم الحكيم. وكان أبيضَ جميلاً سميناً أحول، يخضب بالسوِاد.

روى بشير مولى هشام بن عبد الملك قال: أُتيَ هشامٌ برجل عنده قِيان وخمر وبَرْبَط - أي عود المعازف -  فقال: اكسروا الطُنبور على رأسه! وضربه فبكى الشيخ فقال بشير فقلت له وأنا أعزيه: عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي للضرب؟! أنا أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبورا!

وخرجت جارية لهشام بن عبد الملك، وعليها درع من لؤلؤ، فتحرش بها جليسه الأبرش الكلبي، أبرش بن الوليد وكان أحد الفصحاء، وقال لها: أتهبين لي هذا الدرع؟ فقالت: لأنت أطمع من أشعب! فقال هشام: وما أشعب؟ فجعلت تذكر له طرائف من طرائفه، فقال للكاتب: اكتب إلى المدينة: يرفع أشعب إلينا، فإن فيه ملهى. فكتب الكتاب، فلما قرأه هشام شقه، فقال الأبرش: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: استحييت أن يرد كتابي على أهل المدينة - دار الهجرة والسنة وأبناء المهاجرين والأنصار - يُرفَع إليَّ من عندهم مضحك، ثم أنشأ يقول:

إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال

ويقال: إنه لم يقل من الشعر غير هذا البيت.

وأغلظ رجل لهشام فقال له هشام: ليس لك أن تغلظ لإمامك.

وتفقد هشام بعض ولده لم يحضر الجمعة فقال له: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتي، قال: فعجزت عن المشي؟ فتركت الجمعة؟! فمنعه الدابة سنة.

ومدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال له: يا هذا إنه قد نُهيَ عن مدح الرجل في وجهه، فقال: ما مدحتك، ولكن ذكرتك نعم الله عليك لتجدد لها شكراً، فقال له هشام: هذا أحسن من المدح، ووصله وأكرمه.

وأرسل حسان النبطي إلى هشام بن عبد الملك هدايا كثيرة إليه وإلى أمهات أولاده من الكساء والعطر والجوهر وغيرها، فاستكثرها هشام، وقال: بيت المال أحق بهذا، ثم أمر فنودي عليها، فبلغت مائة ألف دينار، فبعث حسان أثمانها، وقال: يا أمير المؤمنين، قد طابت الآن، هذه مائة ألف دينار تحمل إلى بيت المال، فأقبل هديتي؛ فقبلها.

وروي لأبي جعفر المنصور أن هشام بن عبد الملك مرَّ على جماعة، فقال رجلٌ من القوم: قد مر الأحول؛ قال: من تعني؟ قال: هشاماً؛ قال: تسمي أمير المؤمنين بالنبز، والله ولولا رَحِمُك لضربت عنقك؛ فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع مع مثله المحيا والممات.

واعتمَّ هشام بن عبد الملك فقام جليسه الأبرش الكلبي ليسوي عمامته، فقال هشام: مه، إنا لا نتخذ الأخوان خَوَلا.

قال عقّال بن شبّة: دخلت على هشام، وعليه قباء فنك أخضر، فوجهني إلى خراسان، وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء، ففطن، فقال: ما لك؟ قلت: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء فنك أخضر، فجعلت أتأمّل هذا، أهو ذاك أم غيره؟ فقال: هو والله الذي لا إله إلا، هو ذاك، ما لي قباء غيره. وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه لكم. قال: وكان عقّال يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشوّ عقلاً.

وأراد عقال بن شبة أن يقبل يد هشام بن عبد الملك، فمنعه وقال: مه، لا يفعل هذا من العرب إلا الـهَلوع، ولا من العجم إلا الـخَضوع.

ولم يكن أحد يسير في أيام هشام في موكب إلاّ مسلمة بن عبد الملك، ورأى هشام يوماً ابنه سالماً في موكب، فزجره وقال: لأعلمنّ متى سرت في موكب. وكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم، ويقول: حاجتك، ويمنعه أن يسير معه.

اما سياسته المالية فكانت قائمة على إيراد الأموال إلى الخزينة العامة وإنفاقها في المكان المناسب، ولما كان المعهود عن الملوك الإنفاق والسرف اعتبره بعض المؤرخين بخيلاً، ولكنه كان حريصاً على المال العام، قال الأمير العباسي عبد الله بن عليّ: جمعت دواوين بني مروان، فلم أر ديواناً أصحّ ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام. وقال غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بني مروان أشد نظراً في أمر أصحابي ودواوينه، ولا أشدّ مبالغة في الفحص عنهم من هشام. وقال بعض آل مروان لهشام: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان؟ قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف!

كان هشام يحب العلماء ويعرف لهم أقدارهم، ويكرمهم بالإجلال والأموال، وفد إليه التابعي الجليل المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي القرشي، وكان من الصالحين المتصفين بالتقوى  والزهد والكرم،  فأدى عنه هشام بن عبد الملك ديناً بلغ سبعة عشر ألف دينار .

وممن قصد هشام بن عبد الملك الإمامُ محمد بن مسلم المعروف بابن شهاب الزُهري، المتوفى سنة 124 عن 73 عاماً، وكان من أعلام التابعين، رأى عشرة من أصحاب النبي، وروى عنه جماعة من الأئمة مثل مالك وسفيان الثوري وغيرهما، حدث ابن شهاب قال: قدمت دمشق زمن عبد الملك فجلست في مجلس لا أعرفهم، فأقبل رجل، فأوسعوا له، فإذا هو قبيصة بن ذؤيب فقال: إن أمير المؤمنين أتاه شيء من أمهات الأولاد من ناحية المدينة، وكان عبد الملك قد سمع من سعيد بن المسيب فيه حديثاً، فلم يحفظه، فقلت: أنا أحدثه بالحديث عن ابن المسيب.

قال: فأخذ بيدي، فأدخلني على عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين هذا يحدث بالحديث عن ابن المسيب. فسألني عن نسبي، فانتسبت له، فقال: إن كان أبوك لنعاراً في الفتن، كيف حديث ابن المسيب؟ قلت: إن سعيد بن المسيب كان يحدث أن فتىً من قريش كان يعجب عمرَ بن الخطاب عقلُه ولسانُه،. لقيه ذات يوم فسأله: ما صنعت في ميراثك من أبيك؟ قال: خرجت من ميراثي من أبي بأمي. قال: فصعد عمر المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فمن كانت له أمة يطؤها فولدت له، فإنها تعتق من رأس المال. فقال لي عبد الملك: ما مات رجل ترك مثلك.

وغضب سعيد بن المسيب على ابن شهاب، وقال: ما حملك عل أن حدثت عبد الملك بن مروان حديثي؟ فما زال غضبان عليه، حتى ترضاه بعد.

وكان ابن شهاب الزهري لا يملي الحديث على أحد، فسأله هشام بن عبد الملك أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمئة حديث، ثم خرج الزهري من عند هشام قال: أين أنتم يا أصحاب الحديث: فحدثهم بتلك الأربعمئة حديث، ثم أقام هشام شهراً أو نحوه، ثم قال للزهري: إن ذلك الكتاب الذي أمليت علينا قد ضاع. قال: فلا عليك، ادع بكاتب. فدعا بكاتب فحدثه بالأربعمئة حديث، ثم قابل هشامُ بالكتاب الأول فإذا هو لا يغادر حرفاً واحداً.

وقضى هشام بن عبد الملك عن الزهري ديناً له بلغ سبعة آلاف دينار، فقال هشام للزهري: لا تعد لمثلها. وقال الزهري: سمعت عبد الملك بن مروان قبل موته خطيباً يقول: إن العلم سيقبض قبضاً سريعاً، فمن كان عنده علم فليظهره، غير غال فيه ولا جاف عنه.

ولما حج هشام بن عبد الملك وهو خليفة سنة 106 مرّ بالمدينة المنورة، وأراد أن يلتقي بسالم بن عبد الله بن عمر، وقال: هذا بقية الناس، عليَّ به، فجاء في ثوبين، فقال: أتدخل على أمير المؤمنين في هذا الزِيّ؟ فقال: ألا أدخل عليه في زِيٍّ أقوم في مثله بين يدي رب العالمين، فدخل فسلم فرفعه وقربه، وقال: كم سنك يا أبا عمر؟ قال: ستون سنة، قال: ما رأيت ابن ستين أتم كدنة منك ما أكلك؟ قال: الخبز والزيت، قال: فإذا أُجُمِتَه؟ قال: أدعه حتى أشتهيه، قال: فخرج من بين يدي فحمّ، فقال: لقعني الأحول بعينه! فاعتل ومات فصلى عليه هشام وكان يقول: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً: بحجتي، أم بصلاتي على سالم.

ولما حج بالناس هشام بن عبد الملك كتب إلى أبي الزناد، عبد الله بن ذكوان الإمام المتوفى سنة 130 عن 66 عاماً، قبل دخوله المدينة ليتلقاه ويكتب له مناسك الحج، ففعل، فتلقاه الناس من المدينة إلى أثناء الطريق، وفيهم أبو الزناد قد امتثل ما أمر به، وتلقاه فيمن تلقاه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، فقال له: يا أمير المؤمنين إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب - يعني علياً كرم الله وجهه -  فالعنه أنت أيضا.

قال أبو الزناد: فشقَّ ذلك على هشام واستثقله، وقال: ما قدمنا لشتم أحد، ولا لعنة أحد، إنما قدمنا حجاجا. ثم أعرض عنه وقطع كلامه وأقبل عليَّ يسألني عن الحج، فأخبرته بما كتبت له، وشقَّ على سعيد أني سمعته تكلم بذلك وكان منكسراً كلما رآني.

وحدَّث عثمان بن عطاء الخراساني قال: انطلقت مع أبي وهو يريد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا إذا بشيخ أسود على حمار، عليه قميص دنس، وجبة دنسة، وقلنسوة لاطية دنسة، وركاباه من خشب. فضحكت وقلت لأبي: من هذا الأعرابي؟ قال: اسكت، هذا سيد فقهاء الحجاز، هذا عطاء بن أبي رباح، فلما قرب نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتساءلا، ثم عادا فركبا فانطلقا حتى وقفا بباب هشام، فلما رجع أبي سألته، فقلت: حدَّثني ما كان منكما.

قال: لما قيل لهشام عطاء بن أبي رباح بالباب أذن له، فوالله ما دخلنا إلا بسببه. فلما رآه هشام قال: مرحباً مرحباً ها هنا ها هنا، فرفعه حتى مست ركبته ركبه، وعنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا. فقال هشام: ما حاجتك يا أبا محمد؟ قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين، أهل الله، وجيران رسول صلى الله عليه وسلم يقسم فيهم أعطياتهم وأرزاقهم، قال: نعم، يا غلام أكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاءين وأرزاقهم لسنة، ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز وأهل نجد، أصل العرب، ترد فيهم فضول صدقاتهم قال: نعم، يا غلام اكتب بأن ترد فيهم صدقاتهم، قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور يرمون من وراء بيضتكم، ويقاتلون عدوكم، قد أجريتم لهم أرزاقاً تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا أغرتم. قال: نعم، اكتب بحمل أرزاقهم إليهم يا غلام. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم يحيى صغارهم ولا يتعتع كبارهم، ولا يكلفون إلا ما يطيقون، قال: نعم، اكتب لهم يا غلام، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحداً، قال: فأكب هشام وقام عطاء، فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس لا أدري ما فيه، أدراهم أم دنانير، فقال: إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا. فقال: لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على رب العالمين.

قال إبراهيم بن أبي عبلة، شمر بن يقظان القيسي العقيلي المتوفى سنة 52: بعث إليَّ هشام بن عبد الملك، فقال: يا إبراهيم، إنا قد عرفناك صغيراً وخبرناك كبيراً، ورضينا بسيرتك وحالك، وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وبخاصتي، وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر، فقال: أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين فالله يجزيك ويثيبك وكفى به جازياً ومثيباً، وأما الذي أنا عليه فمالي بالخراج تصرف، ومالي عليه قوة. فغضب حتى اختلج وجهه، ثم قال: ليلينَّ طائعاً أو ليلينَّ كارهاً.

فأمسكت عن الكلام حتى رأيت غضبه قد انكسر وسورته قد طفئت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أأتكلم؟ فقال: نعم، فقلت: إن الله سبحانه قال في كتابه في سورة الأحزاب { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } والله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين، ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب علي إذ أبيت ولا تكرهني إذ كرهت، فضحك وقال: يا إبراهيم أبيت إلا فقهاً! فقد أعفيناك ورضينا عنك.

كان نمير بن أوس قاضياً لهشام فكتب إليه يستعفيه من القضاء، ويخبره أنه قد ضعف، فقال هشام بن عبد الملك: من لقضاء الجند؟ قالوا: يزيد بن يزيد بن جابر، قال: ليس إليه من سبيل. وكان هشام قد أصحبه ابنه معاوية بن هشام. قالوا: فيحيى بن يحيى الغساني. قال: ذاك صاحب منبر. قالوا: فيزيد بن أبي مالك. فأمر بعهده فكتب، وولاه القضاء.

قال العتبي: إني لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيم ابن محمد بن طلحة وصاحب حرس هشام حتى قعدا بين يديه، فقال: إن أمير المؤمنين جراني في خصومة بينه وبين إبراهيم. فقال القاضي شاهديك على الجراية. فقال: أتراني قلت على أمير المؤمنين ما لم يقل، وليس بيني وبينه إلا هذه السترة! قال: لا، ولكنه لا يثبت الحق لك ولا عليك إلا ببينة.

قال: فقام الحرسي فدخل على هشام فأخبره. فلم نلبث أن تقعقعت الأبواب وخرج الحرسي، وقال: هذا أمير المؤمنين. وخرج هشام، فلما نظر إليه القاضي قام، فأشار إليه وبسط له مصلى، فقعد عليه وإبراهيم بين يديه. وكنا حيث نسمع بعض كلامهم ويخفى عنا بعضه قال: فتكلما وأحضرا البينة، فقضى القاضي على هشام بن عبد الملك. فتكلم إبراهيم بكلمة فيها بعض الخَرَق فقال: الحمد لله الذي أبان للناس ظلمك. فقال له هشام: هممت أن أضربك ضربة ينتثر منها لحمك عن عظمك. قال: أما والله لئن فعلت لتفعلنه بشيخ كبير السن قريب القرابة واجب الحق. فقال هشام: يا إبراهيم، استرها علي. قال: لا ستر الله علي إذا ذنبي يوم القيامة إن سترتها. قال: فإني معطيك عليها مئة ألف. قال إبراهيم: فسترتها عليه أيام حياته ثمنا لما أخذت منه، وأذعتها بعد مماته تزيينا له.

وكان بمصر يتيم تحت ولاية أحد أقاربه، فبلغ اليتيم فلم يسلمه الوصي ماله، فتظلم إلى القاضي يحيى بن ميمون فلم ينصفه القاضي، فأحضر بينة للقاضي بأنه مظلوم، فلم يقبل يحيى بن ميمون قول شهوده، فكتب إليه الغلام بأبيات:

ألا أبلغ أبا حسان عني … بأن الحكم ليس على هواكا

حكمت بباطل لم تأت حقا … ولم يسمع بحكم مثل ذاكا

وتزعم أنه حق وعدل … وأزعم أنها ليست كذاكا

ألم تعلم بأن الله حق … وأنك حين تحكم قد يراكا

فلما قرأ الرقعة أمر بسجنه، فبلغ ذلك هشام بن عبد الملك فكتب إلى أمير مصر الوليد بن رفاعة يأمره بعزله، وفي الكتاب: اصرفه مذموما مدحورا، وعين للقضاء رجلا عفيفا تقيا لا تأخذه في الله لومة لائم.

كان لهشام بن عبد الملك أحد عشر ولداً أرسلهم كلهم للجهاد في أطراف الدولة مع بيزنطة والهند والسند، وكان يحضهم على مكارم الأخلاق والتطلع لجلائل الأعمال.

ومن أولاده معاوية بن هشام جد أمراء الأندلس من بني أمية، كان أنبل أولاد أبيه: جوادا غازيا ممدحا، ولي الغزو مرات، وغزا قبرص في البحر سنة 108، وكان في جيشه العابد الإمام ميمون بن مهران الرقّيّ، وقاد الصوائف - وهي غزو الروم في الصيف - عشراً من السنين متصلة، وتوفى معاوية في حياة أبيه سنة 119، في دير حنين قرب قنسرين من أعمال حلب، ورثاه الشاعر الكميت بقوله:

فأي فتى دين ودنيا تلمست … بدير حنيناء المنايا فدلتِ

وكانت وفاة معاوية بسبب أنه ركب مرة فثار بين يديه ثعلب، فركض خلفه، فما تبعه غلوة؛ حتى عثر به فرسه فسقط فاحتملوه ميتاً، فقال هشام: إنا لله لقد أجمعت أن أرشحه للخلافة، ويتبع ثعلباً! وخلف معاوية ابناً في السادسة من عمره هو عبد الرحمن الداخل الذي أسس فيما بعد الدولة الأموية بالأندلس سنة 138.

ومن أولاده مسلمة بن هشام، ويلقب أبا شاكر، كان شريفاً ممدوحاً، ولاه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في الرابع من ربيع الأول

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 27 يناير 2012 الساعة: 01:01 ص

في الرابع من ربيع الأول من عام 544 عيَّن الخليفةُ العباسي المقتفي لأمر الله العالمَ الصالحَ يحيى بن هبيرة في منصب الوزارة، فسطَّر صفحة عطرة من سيرة الوزراء في التاريخ الإسلامي.

ولد الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن محمد بن هُبيرة الشيباني الدُوري، ثم البغدادي، في ربيع الآخر سنة 499 بالدُور، وهي قرية من أعمال الدجيل تبعد عن بغداد 5 فراسخ، ودخل بغداد شابا يطلب العلم فقرأ القرآن بالروايات على جماعة، وسمع الحديث الكثير من محديثها، وقرأ الفقه على الإمام الفقيه الحنبلي أبي بكر الدينوري، أحمد بن محمد بن أحمد المتوفى سنة 533، وقرأه كذلك على الإمام أبي الحسين بن الفراء، محمد بن محمد المتوفى سنة 526، وهو ابن شيخ المذهب أبي يعلى رحمه الله تعالى، وقرأ الأدب على شيخ اللغة والأدب في عصره أبي منصور بن الجواليقي، موهوب بن أحمد المولود سنة 466 والمتوفى سنة 540.

وتمرس الوزير ابن هبيرة بترويض النفس منذ حداثته على يد أبي عبد الله محمد بن يحيى الزَبيدي النحوي الواعظ الزاهد، المتوفى سنة 555، ودرس عليه النحو وأخذ عنه التأله والعبادة، وانتفع بصحبته، حتى إن الزبيدي كان يركب جملا ويعتم بفوطة، ويلويها تحت حنكه، وعليه جبة صوف، وهو مخضوب بالحناء، فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس، وزمام جمله بيد ابن هبيرة. وهو أيضا معتم بفوطة من قطن، قد لواها تحت حنكه، وعليه قميص قطن خام، قصير الكم والذيل، وكلما وصل الزبيدي موضعا أشار ابن هبيرة بمسبحته، وناس برفيع صوته: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

وبقي ابن هبيرة يعمل بهذه السنة حتى بعد أن تولى الوزارة، فقد اجتاز بسوق بغداد - وهو الوزير - فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.

وكان ابن هبيرة رحمه الله في أول أمره فقيرا، فالتحق بديوان الخِدم السلطانية، وتولي أعمالا متعددة، ثم تولى الإشراف على ديوان المخزن السلطاني، ولذلك قصة يرويها الوزير ،قال: كان سبب ولايتي المخزن أنني ضاق ما بيدي حتى فقدت القوت أياما، فأشار عليَّ بعض أهلي أن أمضي إلى قبر معروف الكرخي رضي الله عنه، فأسأل الله تعالى عنده، فإن الدعاء عنده مستجاب، قال: فأتيت قبر معروف فصليت عنده ودعوت، ثم خرجت لأقصد البلد، يعني بغداد، فاجتزت بقطفتا - محلة من محال بغداد - فرأيت مسجدا مهجورا فدخلت لأصلي فيه ركعتين، وإذا بمريض ملقى على حصيرة، فقعدت عند رأسه وقلت: ما تشتهي؟ فقال: سفرجلة، قال: فخرجت إلى بقال هناك فرهنت عنده مئزري على سفرجلتين وتفاحة وأتيته بذلك، فأكل من السفرجلة، ثم قال: أغلق باب المسجد، فأغلقته، فتنحى عن الحصيرة وقال: احفر ها هنا، فحفرت وإذا بكوز، فقال: خذ هذا فأنت أحق به، فقلت: أما لك وارث؟ فقال: لا، وإنما كان لي أخ وعهدي بعيد وبلغني أنه مات، ونحن من الرصافة، قال: وبينما هو يحدثني إذ قضى نحبه، فغسلته وكفنته ودفنته، ثم أخذت الكوز وفيه مقدار خمسمائة دينار وأتيت إلى دجلة لأعبرها، وإذا بملاح في سفينة عتيقة وعليه ثياب رثة، فقال: معي معي، فنزلت معه، وإذا به من أكثر الناس شبها بذلك الرجل، فقلت: من أين أنت؟ فقال: من الرصافة، ولي بنات، وأنا صعلوك، قلت: فما لك أحد؟ قال: لا، كان لي أخ ولي عنه زمان ما أدري ما فعل الله به، فقلت: ابسط حجرك، فبسطه فصببت المال فيه، فبهت، فحدثته الحديث، فسألني أن آخذ نصفه فقلت: لا والله ولا حبة، ثم صعدت إلى دار الخليفة وكتبت رقعة فخرج عليها إشراف المخزن، ثم تدرجت إلى الوزارة.

ونقل الخليفة المقتفي في سنة 542 ابن هبيرة إلى كتابة ديوان الزمام، وظهرت للمقتفي كفاءته وشهامته، وأمانته ونصحه، وقيامه في مهام الملك.

وكان المقتفي لأمر الله، محمد بن أحمد، المولود سنة 489 والمتوفى سنة 555، من أعاظم الخلفاء العباسيين، تولى الخلافة والسلاجقة قابضون على أزِمَّة الأمور، فجمع مالا وافرا وهيأ قوة وسلاحاً وأعاد للخلافة هيبتها وبسط سلطانها، ولما توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي سنة 546، استقل بأعمال الدولة، وانفرد بإدارة شؤون الملك عن السلاجقة، وكان المقتفي حازماً مقداما، يباشر الحروب بنفسه، فتمكن من الخلافة، وحكم على عسكره وأصحابه، وكان يقظا كثير العناية بأخبار البلاد، يبذل الأموال العظيمة على الأرصاد والعيون فلا يكاد يفوته شيء مما يحدث في مملكته وغيرها، من حين تحكم المماليك بالخلفاء من عهد المستنصر إلى أيامه، لم يتقدمه بذلك غير المعتضد، ودامت خلافته 24 سنة.

وفي سنة 542 أساء مسعود بلال قائد حامية بغداد السلجوقية الأدب مع الخليفة المقتفي في بغداد ونهب بعض أمراء السلاجقة الأطراف، وتعدوا على الأملاك، فكتب وزير الخليفة وهو إذ ذاك قوام الدين أبو القاسم علي بن صدقة رسالة من الخليفة إلى السلطان مسعود يطلب منه الإنكار على مسعود بلال وأن يؤخذ على يده، وتكررت المطالبات دون أن يقوم السلطان بعمل حاسم، فلما تقلد ابن هبيرة كتابة ديوان الزمام سأل الخليفةَ السماح له بمكاتبة السلطان مسعود بالقضية فوقع إليه: قد كان الوزير كتب في ذلك عدة كتب فلم يجيبوه، فكرر ابن هبيرة السؤال إلى أن أذن له الخليفة، فكتب من إنشائه رسالة طويلة، دعا فيها للسلطان مسعود، وأذكره ما كان أسلافه يعاملون الخلفاء به من حسن الطاعة والتأدب معهم والذب عنهم ممن يفتات عليهم، وشكا من مسعود بلال، وأنه كاتب في ذلك عدة دفعات وما جاءه جواب، وأطال القول في ذلك، فما مضى على هذا إلا قليل حتى عاد الجواب بالاعتذار والذم لمسعود والإنكار لما فعله، فاستبشر المقتفي بإشارة ابن هبيرة، وعظم سروره بذلك وحسن موقعه من قلبه، ولم يزل عنده مكينا حتى استوزره.

وفي سنة 544 استدعى الخليفة المقتفي ابن هبيرة إلى دار الخلافة، وقلده الوزارة، وخلع عليه وخرج من عنده في أبهة عظيمة، ومشى أرباب الدولة وأعيانها وأصحاب المناصب كلهم بين يديه، وهو راكب إلى الإيوان في الديوان، وحضر هذه المراسم القراء والشعراء، وكان يوما مشهودا. وقُرىء عهده، وكان تقليداً عظيما، بولغ فيه بمدحه والثناء عليه إلى الغاية، وخوطب فيه بالوزير العالم العادل، عون الدين، جلال الإسلام، صفي الإمام، شرف الأنام، معز الدولة، مجير الملة، عماد الأمة، مصطفى الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، صدر الشرق والغرب، سيد الوزراء، ظهير أمير المؤمنين.

وأنشد الشعراء في هذا اليوم قصائد في مدح الوزير والابتهاج بوزارته، منها ما قاله أبو الفتح بن الأديب، محمد بن محمد بن قُرْطُف النعماني المتوفى سنة 560، من قصيدة طويلة:

إذا قلت: ليث فهو أمضى عزيمة … وإن قلت: غيث فهو أندى وأجود
من القوم ما أبقوا سوى حسن ذكرهم … وما عمروه بالجميل وشيدوا
وصية موروث إلى خير وارث … إذا سيد منهم خلا قام سيد
سيحييهم يحيى وما غاب غائب … إليه أحاديث المكارم تسند
مناقب تحصى دونها عدد الحصى … بها يُغبط الحرُّ الكريم ويحسد
ليهن أميرَ المؤمنين اعتضادُه … برأيك والآراء تهدي وترشد
هو المقتفي أمر الإله وإنه … ليصدر عن أمر الإله ويورد
تمنى وزيرا صالحا يكتفي به … وأفكاره في مثله تتردد
دعا زكرياءُ النبيُ كما دعا … إمامُ الهدى، والأمر بالأمر يعضد
فخُصَّ بيحيى بعدما خص بعده … بيحيى أمير المؤمنين محمد

ولأن المدح يليق بخصاله الحميدة ونفسه الشريفة، مدح الشعراء ابن هبيرة فأكثروا، حتى لم يبق أحد من كبار شعراء زمانه إلا وله فيه مدائح، وانقطع بعضهم إليه وأوقفوا شعرهم عليه، وكان الشريف أحمد بن محمد بن محمد بن عبد العزيز العباسي يجمعها له وقال: جمعت من مدائحه ما يزيد على مئتي ألف قصيدة في مجلدات، فلما بيعت كتبه بعد موته اشتراها الشريف فأخذها منه بعض أعدائه وحساده فغسلها!

وكان الوزير قبل وزارته يلقب جلال الدين، فقال: لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء فإن الله تعالى سمى هارون وزيرا، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن وزيريه من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض: أبو بكر وعمر وجاء عنه أنه قال: إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، فجعلهم وزراء وأنصارا. ولا يصلح أن يقال عني: أني سيد هؤلاء السادة.

وكان هذا الإحساس بالقواعد الشرعية والحرص على الالتزام بها في القلب والعمل، ديدن الوزير منذ صغره، حدث الفقيه أبو حامد أحمد بن محمد بن عيسى الحنبلي قال: حدثني الوزير ابن هبيرة قال: كان بيني وبين بعض مشايخ القرى معاملة مضيت من أجلها من الدُور إلى قريته فلم أجده، فقعدت لانتظارهم حتى هجم الليل، فصعدت إلى سطحه للنوم، فسمعت قوما يسفهون بالهجر من الكلام، فسألت عنهم. فأُخبرت أنهم يعصرون بالنهار الخمر ويسفهون في الليل.

فقلت: والله لا بِتُّ بها، فقيل: ولم؟ فقلت: أخاف أن ينزل بهم عذاب وسخط فأكون معهم، فإن لم يكن خسفا حقيقيا كان خسفا معنويا، مما يدخل على القلب من القساوة والفتور عن ذكر الله تعالى بسماع هذا الكلام، ومضيت ذلك الوقت إلى الدور.

قال الوزير: فلما عدت أنا والمقتفي لأمر الله من حصار قلعة تكريت مررنا بتلك القرية، فسألني المقتفي عنها، فقلت: هذه الناحية لوكلاء الخليفة أجله الله تعالى، فقال: لأن تكون لك، إذ هي في جوارك أصلح من أن تكون لنا، فتقدم إلى عمالك بالتصرف فيها. فذكرت له حينئذ حالتي بها، وقلت له: فمن بركة ذلك الفعل رزقت القرب منك يا أمير المؤمنين، وتملك الناحية من غير طلب مني لها.

وكان من عادات ذلك الزمان أن يخلع الخلفاء على رجال الدولة الخلع الحريرية الموشاة بعلامة السلطان، ولكنه رحمه الله كان يأبى لبس ذلك اتباعاً للشرع الحنيف، أرسل إليه المقتفي مرة بخلعة حرير على يد خادم وفرّاش، فقال: أنا والله ما ألبس هذه! فخرج الخادم فأخبر المقتفي، فقال المقتفي: قد والله قلت: إنه ما يلبس، وأعاد إليه الخادم بدَست من ثياب الخليفة، قال ابن هبيرة: فقلت حينئذ لنفسي: يا يحيى كيف رأيت طاعة الله تعالى؟ لو كنت قد لبستها كيف كنت تكون في نفس أمير المؤمنين. وكيف كانت تكون منزلتك عنده؟

وفي سنة 544 هاجم بغداد منافسو السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي فتصدى لهم الوزير ريثما وصل مسعود، فانسحبوا وقام الوزير بلقاء السلطان دون أن يدخله بغداد، وفي سنة 546 عاد السلطان مسعود إلى بغداد وخرج الوزير ابن هبيرة وأرباب الدولة إلى استقباله ودخل بغداد في حفاوة وتكريم، وما لبث أن توفي بعدها بشهور، ولوفاته قصة يرويها الوزير ابن هبيرة الذي كان صاحب أنفاس طاهرة ودعوات مستجابة، ذكر هو أنه لما استطال السلطان مسعود وأصحابه وأفسدوا، تدارس الأمر مع الخليفة وعزما على قتاله، قال: ثم إني فكرت في ذلك، ورأيت أنه ليس بصواب مجاهرته لقوة شوكته، فدخلت على المقتفى، فقلت: إني رأيت أن لا وجه في هذا الأمر إلا الالتجاء إلى الله تعالى، وصِدق الاعتماد عليه. فبادَرَ إلى تصديقي في ذلك، وقال: ليس إلا هذا، ثم كتبت إليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في الأول من ربيع الأول

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 24 يناير 2012 الساعة: 01:01 ص

في مستهل ربيع الأول من عام 64 استشهد، عن 62 عاماً، الصحابي المِسْوَر بن مَـخْرَمة رضي الله عنه وهو يصلي في حِجر إسماعيل في بيت الله الحرام بمكة المكرمة عندما حاصر الحصين بن نمير مكة المكرمة وفيها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

والده مخرمة بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري، وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص بن أُهيب. ووالدته عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، وجدته لوالده رقيقة بنت بن أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف. وجدُّه أُهيب عمُّ آمنة أمَّ النبي عليه الصلاة والسلام.

كان والده من زعماء قريش ومع قافلة أبي سفيان بن حرب في غزوة بدر، وأسلم يوم الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم ثم حَسُنَ إسلامه، وكان له علم بأيام الناس، وبقريش خاصة، وكان يؤخذ عنه النسب.

وجاء مخرمة إلى المدينة مع ابنه المسور في السنة الثامنة للهجرة، وشهد حنيناً مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاه رسول الله خمسين بعيراً، وهو أحد من حدد حدود الحرم في خلافة عمر بن الخطاب مع أزهر بن عبد عوف، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العُزى. وتوفي بالمدينة سنة 54، وعمره 115 سنة، وعمي في آخر عمره.

 وكانت في لسان الوالد فظاظة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتقي لسانه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء مخرمة بن نوفل، فلما سمع النبي صوته قال: بئس أخو العشيرة فلما جاء أدناه، فقلت: يا رسول الله، قلت له ما قلت، ثم ألنت له القول! فقال: يا عائشة إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه.

ولد المسور بمكة في السنة الثانية للهجرة، وهو أصغر من عبد الله بن الزبير بأربعة أشهر، وقدم به أبوه المدينة في آخر السنة الثامنة، وسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ عنه، وحدث عن عمر بن الخطاب، وأخواله عبد الرحمن بن عوف وعمرو بن عوف.

روى المسور عن رسول الله أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرها تتعلق بغزوة حنين والعمرة وغيرها من المواضيع، ومنها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن المسور بن مخرمة قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل وعليَّ إزار خفيف، فانحل إزاري ومعي الحجر لم أستطع أن أضعه حتى بلغتُ به إلى موضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عُراة.

وروى البخاري عن المسور بن مخرمة أن أباه مخرمة قال له: يا بني إنه بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قدمت عليه أقبية مزررة بالذهب فهو يقسمها، فاذهب بنا إليه. فذهبنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم في منزله فقال لي: يا بني ادع لي النبي صلى الله عليه وسلم. فأعظمتُ ذلك فقلت: أدعو لك رسول الله صلى الله عليه وسلم!؟ فقال: يا بني، إنه ليس بجبار. فدعوته فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب فتلقاه به واستقبله بأزراره فقال: يا مخرمة هذا خبأناه لك، فأعطاه إياه، فنظر إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رضي مخرمة.

تزوج المسور بن مخرمة جويرية ابنة خاله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان يلازمه ويتعلم منه، وعبد الرحمن بن عوف من أوائل المسلمين، أسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وكان اسمه عبد الكعبة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وقال عثمان رضي الله عنه للمسور: يا مسور، من زعم أنه خير من خالك في الهجرة الأولى والآخرة فقد كذب.

ومما ذكر المسور أنه تعلمه من خاله رضوان الله عليهما قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أخبرني عن قصتكم يوم بدر، قال: اقرأ بعد العشرين والمئة من سورة آل عمران تجد قصتنا ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إلى قوله ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا قال: هم الذين طلبوا الأمان من المشركين، إلى قوله ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ قال: فهو تمنى لقاء الموت، إلى قوله ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ.

وكان المسور مقرباً من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يلزمه يتفقه على يديه، ويشهد أقضيته، قال المسور: كنا نلزم عمر بن الخطاب نتعلم منه الورع، وكان عمر يحبه ويقدر له عقله وفضله وتقواه بين شباب المسلمين، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُتي ببرود من اليمن، فقسمها بين المهاجرين والأنصار، وكان فيها بُرد فائق لها، فقال: إن أعطيتُه أحداً منهم غضب أصحابه ورأوا أني فضلتُه عليهم، فدلوني على فتى من قريش نشأ نشأة حسنة أعطيه إياها. فأسموا له المسور بن مخرمة، فدفعه إليه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص على المسور، فقال: ما هذا؟ فقال: كسانيه أمير المؤمنين. فجاء سعد إلى عمر فقال: تكسوني هذا البرد وتكسو ابن أخي مسوراً أفضل منه. قال له: يا أبا إسحاق، إني كرهت أن أعطيه أحداً منكم فيغضب أصحابه، فأعطيته فتى نشأ نشأة حسنة لا يُتوهم فيه أني فضلته عليكم. فقال سعد: فإني قد حلفت لأضربن بالبرد الذي أعطيتني رأسك. فخضع له عمر رأسه، وقال: عندك يا أبا إسحاق، وليرفق الشيخ بالشيخ. فضرب رأسه بالبرد.

شارك المسور في فتوح العراق وكان من قواد المسلمين في معركة القادسية سنة 16، ووجد المسور يوم القادسية إبريق ذهب مرصع بالياقوت والزبرجد فلم يدر كم هو ثمين، فلقيه رجل من الفرس فقال له: بعنيه بعشرة آلاف، فعلم أنه شئ له قيمة، فذهب به إلى سعد بن أبي وقاص وأخبره خبره، فنفله إياه، وقال: لا تبعه بعشرة آلاف. فباعه المسور بمئة ألف فدفعها سعد إلى المسور ولم يخمسِّها.

ويبدو أن سعداً رضي الله عنه أرسل المسور بن مخرمة بالغنائم إلى المدينة، فقد روى المسور أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أُتي بغنائم من غنائم القادسية جعل يتصفحها وينظر إليها ويبكي ومعه عبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين إن هذا يوم فرح وهذا يوم سرور! فقال: أجل، ولكن لم يُؤتَ هذا قومٌ قط إلا أورثهم العداوة والبغضاء.

وفي سنة 17 أصاب الجزيرة العربية قحط شديد وسمي العام بعام الرّمادة، ونزح بسبب المجاعة قرابة خمسين ألفاً من الأعراب إلى المدينة ، فجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عليهم رجالاً يشرفون عليهم ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم، وكان منهم المسور بن مخرمة رضي الله عنهما، ونقل المسور عن عمر نيته في أن يضم هؤلاء اللاجئين الجائعين إلى بيوت المسلمين إذ قال بعد أن رفع الله الجدب: لو لم يرفعه الله لجعلت مع أهل كل بيت مثلهم.

واحتكر المسور بن مخرمة طعاما في زمن عمر بن الخطاب، فرأى سحابا من سحاب الخريف فكرهه، فلما أصبح غدا إلى السوق فقال: من جاءني أعطيته، فقال عمر: أجننت يا أبا مخرمة؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت سحابا فكرهت ما ينفع الناس فأردت أن لا أربح فيه شيئا، فقال له عمر: جزاك الله خيرا.

وخرج المسور تاجراً إلى أحد أسواق العرب، فإذا رجل من الأنصار يؤم الناس أرتَّ أو ألثغ فأخره وقدم رجلاً، فغضب الرجل المؤخَر فأتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن المسور أخرني وقدم رجلاً. فغضب عمر وجعل يقول: واعجباً لك يا مسور؛ وأرسل إلى بيته يطلبه.

فلما قدم المسور أخبر بذلك، فأتاه. فلما رآه طالعاً قال: واعجباً يا مسور. فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين، فوالله ما أردت إلا الخير. قال: وأي خير في هذا؟ فقال: إن السوق اجتمع فيها ناس كثير، عامتهم لم يسمع القرآن، وكان الرجل أرت أو ألثغ فخشيت أن يتفرقوا بالقرآن على لسانه، فأخرته وقدمت رجلاً عربياً بيِّناً. فقال عمر: جزاك الله خيراً.

ومن معرفة المِسْوَر بعمر رضي الله عنه جاءت نصيحته للصحابة عندما أرادوا إيقاظه من غيبوبته، قال المسور: دخلت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مسجَّى فقلت: كيف ترونه؟ قالوا: كما ترى، قلت: أيقظوه بالصلاة، فإنكم لن توقظوه لشيء أفزع له من الصلاة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال: ها الله إذاً ولا حقّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلَّى وإن جرحه ليثعب دماً.

ولما اغتال أبو لؤلؤة المجوسي عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه سنة 23، وعهِدَ عمر إلى النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وهم علي وعثمان والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان، رضي الله عنهم أجمعين. وقام عبد الرحمن بن عوف بإدارة أصحاب الشورى، ويقال إن المقداد بن الأسود رضي الله عنه جمعهم في بيت المسور، وقام أبو طلحة الأنصاري يحجبهم، وأياً كان فإن المسور يساعد خاله عبد الرحمن بن عوف في أمر الشورى مقبلاً ومدبراً حتى انتهت إلى اختيار عثمان رضي الله عنه.

وكان المسور يتمنى لو أن الخ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في الثامن والعشرين من صفر

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 22 يناير 2012 الساعة: 01:01 ص

في الثامن والعشرين من صفر لسنة 626 توفي في بغداد، عن 82 عاماً،  يعقوب بن صابر المنجنيقي الشاعر الأديب والخبير العسكري.

ولد أبو يوسف نجم الدين يعقوب بن صابر بن بركات، سنة 554 في بغداد، وأصل أسرته من حرّان، وهي اليوم Harran جنوبي أورفا في جنوب تركيا، وعمل في صناعة المنجنيقات، والمنجنيق كلمة معربة أصلها اليوناني اللاتيني Mangonel، وكانت المنجنيق على مر العصور القديمة من أهم آلات الحصار ودكّ القلاع والحصون، ويتراوح ضخامة وتعقيداً، فمنه ما كان ينصب على المآذن، ومنه ما كان يحتاج إلى مئتي جمل لحمل أجزائه، ولما انتزع السلطان المملوكي الملك الأشرف خليل بن قلاوون الصالحي عكا من الإفرنج سنة 690، وعمره 24 عاماً، حاصرها 44 يوماً ونصب عليها 82 منجنيقاً.

عمل يعقوب المنجنيقي في صناعة المنجنيق، وتقدم فيها حتى صار مقدم المنجنيقيين في بغداد، ولم يلحقه أحد من أبناء زمانه في درايته وفهمه لذلك، وإلى خبرته العملية كان يعقوب المنجنيقي واسع الأفق موسوعي التفكير، فألف كتابا سماه عمدة السالك في سياسة الممالك، ورتبه أبواباً، كل باب منه يشتمل على فصول، ويتضمن الكتاب أحوال الحروب وتعبئة الجيوش، وفتح الثغور، وبناء المعاقل، وأساليب الفروسية وحيلها، والهندسة وحصار القلاع والرياضة الميدانية والحيل الحربية، وفنون العلاج بالسلاح، وعمل أداة الحرب والكفاح، وصنوف الخيل وصفتها. ولم يتم يعقوب تأليف هذا الكتاب فلعله ألفه في أواخر حياته المديدة رحمه الله تعالى.

وكان شيخاً هشاً مليحاً لطيفاً فكهاً طيب المحاورة، شريف النفس متواضعاً، فيه تودد وبشر وسكون، وعلى عادة اهل الفضل في ذلك الزمان، سمع المنجنيقي الحديث في صغره من أبي المظفر هبة الله بن عبد الله بن السمرقندي المتوفى سنة 563، وروى هو وحدَّث.

وأدركته حرفة الأدب، واشتهر بالشعر، وكان شاعراً مكثراً مجيداً ذا معان مبتكرة، مليح الشعر لطيفه، ذا معان مطبوعة، وألفاظ سهلة، وجمع من شعره كتاباً مختصراً سماه مغاني المعاني، ومدح الخلفاء، وكانت له منزلة عند الخليفة العباسي الناصر لدين الله المتوفى سنة 622 والذي تولى الحكم سنة 575 فدامت خلافته 47 عاماً.

وكان يعقوب بن صابر المنجنيقي كثير الدخول على الوزير ناصر بن مهدي الحسني وزير الخليفة العباسي الناصر لدين الله، وكان الوزير في بداية تعيينه يأمر حجابه بإدخاله عليه دون تأخير، ثم أمرهم بعد فترة أن يُـجلَس ظاهرَ الستر، فقال ابن صابر المنجنيقي:

قولوا لمولانا الوزير الذي … أضاع ودي ونوى هجري

وصرتُ إن جئتُ إلى بابه … أجلسني في ظاهر الستر

إن كان ذنبي أنني شاعرٌ … فاصفح فقد تبت من الشعر

ثم انقطع عنه مدة، فلما دخل إليه أنكر عليه انقطاعه، فقال:

وقالوا قد صددت وملت عنا … فقلت أبيت تكرار المحال

أنفت من الوداد إلى إناس … رأوا حالي ولم يرثوا لحالي

ثم هجاه فقال:

ألا مبلغٌ عني الخليفة أحمداً … توقَّ وُقيتَ السوءَ ما أنت صانعِ

وزيرُك هذا بين أمرين فيهما … صنيعُك يا خير البرية ضائع

لئن كان حقا من سلالة أحمد … فهذا وزيرٌ في الخلافة طامع

وإن كان فيما يدّعي غير صادق … فأضْيَعُ ما كانت لديه الصنائع

وقد عزا بعضهم إلى هذه الأبيات قِصَرَ ولاية الوزير التي دامت أقل من سنتين.

قال ابن خلكان في وفيات الأعيان: وكانت أخباره في حياته متواصلة إلينا وأشعاره تنقلها الرواة عنه، ويحكون وقائعه وما جراياته وما ينظُم في ذلك من الأشعار الرائقة والمعاني البديعة، ولم تتفق لي رؤيته مع المجاورة وقرب الدار من الدار، لأنه كان ببغداد ونحن بمدينة إربل، وهما متجاورتان، لكن لكثرة اطلاعي على أخباره وما يتفق له من النظم المنقول عنه في وقته كأني كنت معاشره، وما زلت مشغوفاً بشعره مستعذباً أسلوبه فيه، واجتمعت بخلق كثير من أصحابه والناقلين عنه، منهم صاحبنا الشيخ عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان المعروف بالمترجم الموصلي، فإنه أن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في السادس والعشرين من صفر

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 20 يناير 2012 الساعة: 01:01 ص

في السادس والعشرين من صفر من عام 288 توفي في بغداد، عن 67 عاماً، أبو الحسن ثابت بن قرة الحرّاني الصابئي، العالم النابغ في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة.

ولد ثابت بن قرة في سنة 221 في مدينة حرّان - في جنوبي تركيا اليوم ونشأ بها، وكانت أسرته على دين الصابئة، ويسمى أتباعها المندانيين كذلك، وهو دين قديم يعود إلى ماقبل المسيح كانت قاعدته حران ثم انتقل إلى العراق والأحواز في إيران، وانخرط أتباعه في الثقافة العربية وساهموا فيها مساهمات معتبرة، وأصبحوا جزءاً من النسيج العربي، مع بقائهم على ديانتهم ومحافظتهم على طقوسها إلى يومنا هذا، وتختلف المراجع العربية حديثها وقديمها اختلافاً كبيراً في تعريفه، ومنها من ينسبهم جهلاً أوتجنياً إلى عبادة النجوم، وخير مرجع عارف في هذا المجال هو الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان الذي عرفهم في كتابه أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام حيث قال: وهم يعتقدون بالخالق عز وجل، ويؤمنون باليوم الآخر، ويدَّعون أنهم يتبعون تعاليم آدم عليه السلام، وأن نبيهم يحيى جاء ينقي دين آدم مما علق به، وعندهم كتاب يسمونه الكانزابرا أي صُحف آدم، ومن عباداتهم الصلاة، وتقتصر على الوقوف والركوع والجلوس على الأرض دون سجود، ويؤدونها في اليوم ثلاث مرات، قبل طلوع الشمس، وعند زوالها، وقبيل غروبها، ويتوجهون في صلاتهم إلى النجم القطبي.

وجرت بين ثابت وبين أهل ديانته من الصابئة أمور في ديانتهم أنكروها عليه ورفعوها إلى رئيسهم، فأنكر عليه مقالته، ومنعه من دخول الهيكل، فتاب ورجع عن ذلك، ثم عاد بعد مدة إلى تلك المقالة، فمنعوه من الدخول إلى المجمع، فخرج من حران ونزل في كفر توثا وهي قرية كبيرة في الجزيرة الفراتية بالقرب من دارا، وأقام فيها مدة.

وفي أيام المعتضد علت منزلة بني موسى بن شاكر وهم ثلاثة محمد وأحمد والحسن، وكان المأمون قد رعاهم وأمر بتدريسهم في بيت الحكمة،فتخرجوا وهم نهاية في علومهم من الهندسة والنجوم والآلات الذي يسميه المؤرخون علم الحيل، وصدف أن قدم الفلكي الرياضي محمد بن موسى بن شاكر من بلاد الروم راجعاً إلى بغداد، فاجتمع بثابت في كفر توثا، فرآه فاضلاً فصيحاً فاصطحبه إلى بغداد وأنزله في داره، وجعله في جملة المتعلمين عنده، فنبغ وبرع، ووصله محمد بالخليفة المعتضد فأدخله في جملة المنجمين، فاستوطن بغداد.

وكان ثابت بن قرة هو أول صابئي يدخل بلاط الخلفاء، وبلغ ثابت مع المعتضد أجَلَّ المراتب وأعلى المنازل، حتى كان يجلس بحضرته في كل وقت ويحادثه طويلاً ويضاحكه ويقبل عليه دون وزرائه وخاصته، وهو الذي كنَّاه بأبي الحسن تحبباً، فأصبحت له وللصابئة وجاهة بين الناس، ثم جاء أولاده وأقاربه من بعده، فقاربوه فيما كان عليه من حسن النظر والمهارة في العلوم، فثبتت أحوالهم وعلت مراتبهم.

وكان سبب قربه من المعتضد ما رواه حفيده ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة أن الخليفة الموفق غضب على ابنه المعتضد بالله وهو أمير فحبسه في دار الوزير إسماعيل بن بلبل الشيباني، فأمر إسماعيل بن بلبل ثابتَ بن قرة بأن يدخل إلى المعتضد ويؤنسه، فأنس المعتضد بثابت أُنساً كثيراً، وكان ثابت يدخل إليه إلى الحبس في كل يوم ثلاث مرات يحادثه ويسليه، ويعرفه أحوال الفلاسفة، وأمر الهندسة والنجوم، وغير ذلك، فشغف به ولطف منه محله، فلما خرج من حبسه قال لبدر غلامه: يا بدر، أي رجل أفدنا بعدك؟ فقال من هو يا سيدي؟ فقال ثابت بن قرة. ولما تقلد المعتضد الخلافة أقطعه ضياعاً جليلة، وكان يُجلِسه بين يديه كثيراً بحضرة الخاص والعام، ويكون بدر غلام الأمير قائماً والوزير، وهو جالس بين يدي الخليفة.

قال أبو إسحاق الصابئ الكاتب: كان ثابت يمشي مع المعتضد في الفردوس - وهو بستان في دار الخليفة للرياضة - وكان المعتضد قد اتكأ على يد ثابت وهما يتماشيان، ثم نتر المعتضد يده من يد ثابت بشدة، ففزع ثابت، فإن المعتضد كان مهيباً جداً، فلما نتر يده من يد ثابت قال له: يا أبا الحسن - وكان في الخلوات يكنيه وفي الملأ يسميه - سهوتُ ووضعتُ يدي على يدك واستندتُ عليها، وليس هكذا يجب أن يكون، فإن العلماء يَعلُون ولا يُعلَون.

ومن حذاقة ثابت بن قرة في التشخيص والمعالجة أنه اجتاز يوماً ماضياً إلى دار الخليفة فسمع صياحاً وعويلاً، فقال مات القصاب الذي كان في هذا الدكان؟ فقالوا له: أي والله يا سيدنا البارحة فجأة، وعجبوا من ذلك، فقال ثابت: ما مات! خذوا بنا إليه. فعدل الناس معه إلى دار القصاب، فتقدم إلى النساء بالإمساك عن اللطم والصياح؛ وأمرهن بأن يعملن مزوّرة، وأومأ إلى بعض غلمانه بأن يضرب القصاب على كعبه بالعصا، وجعل يجس نبضه بيده، وما زال ذلك يضرب كعبه إلى أن قال حسبك، واستدعى قدحاً وأخرج من كمه دواء فدافه في القدح بقليل ماء، وفتح فم القصاب وسقاه إياه، فأساغه، ووقعت الصيحة والزعقة في الدار والشارع بأن الطبيب قد أحيا الميت، فتقدم ثابت بغلق الباب والاستيثاق منه، وفتح القصاب عينه وأطعمه مزوّرة وأجلسه، وقعد عنده ساعة، وإذا بأصحاب الخليفة قد جاؤوا يدعونه، فخرج معهم والدنيا قد انقلبت، والعامة حوله يتعادون، إلى أن دخل دار الخلافة.

ولما مثل بين يدي الخليفة قال له: يا ثابت ما هذه المسيحية التي بلغتنا عنك؟ قال: يا مولاي كنت أجتاز على هذا القصاب وألحظه يشرح الكبد، ويطرح عليها الملح ويأكلها، فكنت أستقذر فعله أولاً، ثم قدرت أن سكتة ستلحقه، فصرت أراعيه وإذ علمت عاقبته انصرفت، وركّبت للسكتة، دواء استصحبته معي في كل يوم، فلما اجتزت اليوم وسمعت الصياح قلت: مات القصاب؟ قالوا نعم، مات فجأة البارحة، فعلمت أن السكتة لحقته، فدخلت إليه ولم أجد له نبضاً، فضربت كعبه إلى أن عادت حركة نبضه، وسقيته الدواء ففتح عينيه، وأطعمته مزوّرة، والليلة يأكل رغيفا بدراج، وفي غد يخرج من بيته.

ومن كلام ثابت بن قرة قال: ليس على الشيخ أضر من أن يكون له طباخ حاذق، وجارية حسناء لأنه يستكثر من الطعام فيسقم، ومن الجماع فيهرم.

وقال: راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة النفس في قلة الآثام، وراحة القلب في قلة الاهتمام، وراحة اللسان في قلة الكلام.

وعالج ثابت مرة الشاعر السَريَّ الرّفاء، السري بن أحمد المتوفى سنة 366، فأصاب العافية، فقال فيه السريُّ أبياتاً، وهي من أحسن ما قيل في طبيب:

هل للعليل سوى ابن قرة شافي . . . بعد الإله، وهل له من كافي

أحيى لنا رسم الفلاسفة الذي . . . أودى، وأوضح رسم طب عافي

مثلت له قارورتي فرأى بها . . . ما اكتن بين جوانحي وشغافي

يبدو له الداء الخفي كما بدا . . . للعين رجراج الغدير الصافي

فكأنه عيسى ابن مريم ناطقاً . . . يهب الحياة بأيسر الأوصاف

وكان ثابت بن قرة وقوراً صبوراً يحتمل هفوات من حوله، قال أبو محمد الحسن بن موسى النُوبختي، الفلكي والفيلسوف المتوفى سنة 310: سألت أبا الحسن ثابت بن قرة عن مسألة بحضرة قوم فكره الإجابة عنها بمشهدهم، وكنتُ حديث السن، فدافعني عن الجواب، فقلت متمثلاً:

ألا ما لليل لا تُرى عند مضجعي … بليل ولا يجري بها ليَّ طائرُ

بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت … بليلي ولكن ليس للطير زاجر

فلما كان من غد لقيني في الطريق وسرت معه، فأجابني عن المسألة جواباً شافياً، وقال: زجرتَ الطير يا أبا محمد؟ فأخجلني، فاعتذرت إليه، وقلت: واللّه يا سيدي ما أردتك بالبيتين.

وكان ثابت بن قرة متعدداّ في نواحي عبقريته، ولذا كثرت تآليفه في مواضيع مختلفة، وذلك يدل على علمه وفضله، ويدل على الرعاية التي تلقاها في بلاط الدولة العباسية التي احتضنته، وإن المرء ليعجب عندما يستعرض عناوين هذه الكتب فقط، وهي ليست بالكتب الإنشائية التي تعتمد على بنات الخيال وتدبيج الكلام، بل هي كتب علمية قوامها الملاحظات والنظريات والاستنتاجات، وفيما يلي أسماء أغلب كتبه جمعتها من عدة مصادر أوردها وفقاً لمواضيعها:

الرياضيات والهندسة

كتاب تسهيل المجسطي، والمجسطي Almagest كلمة يونانية تطلق على الرياضيات الهندسية، ولم يتمه وهو أجود كتبه في ذلك، كتاب المدخل إلى المجسطي، كتاب في أعمال ومسائل إذا وقع خط مستقيم على خطين، كتاب في قطع الأسطوانة، ومقالة أخرى له في ذلك، كتاب في المثلث القائم الزوايا، كتاب في وصف القرص، كتاب في الأعداد المتحابة، كتاب في الشكل القطاع، كتاب في مقدمات إقليدس Euclid، كتاب في أشكال إقليدس، كتاب في أشكال المجسطي، كتاب في استخراج المسائل الهندسية،  كتابه فِي النسبة المؤلفة، رسالته فِي العدد الوفقي، كتابه فِي مساحة قطع الخطوط، مقالة فِي تصحيح مسائل الجبر بالبراهين الهندسية، إصلاحه للمقالة الأولى من كتاب ابلونيوس Eupalinus of Megara فِي قطع النسبة المحدودة وهذا الكتاب مقالتان أصلح ثابت الأولى إصلاحاً جيداً وشرحها وأوضحها وفسرها والثانية لم يصلحها وهي غير مفهومة، وأصلح كتاب أقليدس، ونقله أيضاً إِلَى العربي إصلاحين الثاني خير من الأول، وله عدة مختصرات فِي النجوم والهندسة عملها لأولاد محمد بن موسى بن شاكر، اختصاره لفيثاغورث وباريرمانياس والقياس، كتاب في العمل بالكرة، مقالة في عمل شكل مجس ذي أربع عشرة قاعدة تحيط به كرة معلومة، المدخل إلى كتاب إقليدس وهو في غاية الجودة، كتاب في المربع وقطره، جوابان عن كتابي محمد بن موسى بن شاكر إليه في أم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في الحادي والعشرين من صفر

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 17 يناير 2012 الساعة: 01:01 ص

في الحادي والعشرين من صفر من عام 500 توفي في بغداد، عن 83 عاماً، أبو محمد السَّراج، جعفر بن أحمد، الأديب الشاعر العالم بالقراءات والنحو واللغة.

ولد أبو محمد السراج في بغداد سنة 417، ودرس اللغة والقراءات وأصبح إماماً وزيد في لقبه القاري، وسمع الحديث النبوي وله خمس سنين،  ورواه ومدَّ الله في عمره حتى كان حافظ عصره.

من أهم أساتذة أبي محمد السراج في الحديث، أبو محمد الخلال البغدادي، المتوفى سنة 439 عن 87 عاماً،  وأبو طالب البزاز، محمد بن محمد البغدادي، المحدث المتوفى سنة 440 عن 94 عاماً، وراوي الأحاديث المعروفة بالغيلانيات التي خرجها له الدارقطني، وهي من أعلى الحديث إسنادا وأحسنه، ومنهم الشيخ الواعظ الصادق المعمر، أبو الفتح عبيد الله ابن شاهين، عمر بن أحمد البغدادي، المتوفى سنة 440، ومنهم الإمام القدوة العارف، أبو الحسن القزويني، علي بن عمر بن محمد ابن القزويني البغدادي الحربي الزاهد، المتوفى سنة 442 عن 82 عاماً، ومنهم الإمام العالم الحافظ المجود شيخ السنة أبو نصر السِجِزِّيّ، عبيد الله بن سعيد المتوفى سنة 444. وكان السراج في أول طلبه للعلم مستملياً لأبي محمد الخلال وأبي الحسن القزويني، مما يدل على مرتبته العالية بين تلاميذهما.

وأخذ عن أبي محمد السراج الحديث خلق كثير، ومن أشهرهم الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة، عبد القادر الجيلاني الحنبلي، المتوفى سنة 561 عن 90 عاماً، وروى عنه كذلك الإمام المعمر الرحالة الجامع الحافظ أبو طاهر السِلفي أحمد بن محمد الأصبهاني المتوفى في الإسكندرية سنة 576 وعمره 106 أعوام، وكان السِلفي يفتخر بالرواية عن السَّراج مع أنه لقي أعلام ذلك الزمان وأخذ عنهم، قال السلفي: كان ممن يُفتَخر برويته وروايته لديانته ودرايته، وآخر من روى عنه المحدثة المعمرة شَهْدة بنت المحدث أبي نصر أحمد بن الفرج  الأُبري البغدادية المتوفاة سنة 574 وقد زادت على التسعين.

رحل أبو محمد السراج إلى مكة المكرمة، وفيها سمع من أبي نصر السِجِزِّي حديث مسلسل الأولية: الراحمون يرحمهم الله، كما رحل إلى الشام ومصر وسمع من محدثيها، وتردد إلى صور في لبنان عدة مرات ثم قطن بها زماناً، ولعل ذلك للرباط والجهاد، ثم عاد إلى بغداد وأقام بها إلى أن توفي.

كان لأبي محمد السراج ولد اسمه ثعلبة، أراد له والده أن يتابع شأنه في الحديث والرواية، وأخذه معه في أسفاره وأسمعه من المشايخ، وروى نزراً قليلاً من الحديث، ولكنه لم يفلح في الاشتغال بالعلم، ولم يكن الحديث من شأنه، فعمل بوابا لدار القاضي أبي سعد الهروي، وتوفي سنة 524 عن 72 عاماً.

من أشهر مؤلفاته كتاب مصارع العشاق، جمع فيه قصص المحبين، ومن مات قتيل الهوى، وأورد فيه عدداً من أشعاره في المناسبات التي اقتضت ذلك، ومن العجيب أن يؤلف شيخ محدث رصين في هذا الموضوع العاطفي، وفي ذلك دلالة على نفسه الرقيقة وروحه الشفافة.

وجعل أبو محمد ابن السراج كتابه مصارع العشاق أجزاء لطيفة، وكتب على كل جزء أبياتا من نظمه، فكتب على الجزء الأول:

هذا كتاب مصارع العشاق … صرعتُهم أيدي نوى وفراقِ

تصنيفُ من لذع الفراقُ فؤادَه … وتطلب الرّاقي فعز الراقي

وله كذلك كتاب مناقب السودان، وكتاب حِكَمِ الصبيان، ونظم كتباً كثيرة شعراً، منها في الفقه الحنبلي كتاب المختصر لأبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي المتوفى سنة 334، وفي الفقه الشافعي كتابَ التنبيه لمعاصره أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة 472، ونظم كتاب المبتدأ لوهب بن منبه الصنعاني المتوفى سنة 114 عن 80 عاماً، وموضوعه في أول الخلق وأخبار الأمم السالفة، كما نظم مناسك الحج وأحكامها شعراً.

ولم يكن منهجه في الشعر والغزل مقبولاً عند بعض طلبة العلم المتزمتين فأعرض عنه ثم عاد إليه لعلو مكانته وغزارة علمه وسعة معرفته، فرحب به الإمام مداعباً بأبيات شعر لطيفة أشار فيها إلى بلد الطالب شهر زور في بلاد فارس، قال المبارك بن الحسن ابن الشهرزوري المقرئ يقول: كنت أقرأ على أبي محمد جعفر بن محمد السراج، وأسمع منه، فضاق صدري منه لحاله، فانقطعتُ عنه، ثم ندمت وقلت: يفوتني منه بانقطاعي عنه فوائد كثيرة، فقصدته في مسجده المعلق المحاذي لباب النوبي في بغداد، فلما وقع نظره عليّ رحب بي وأنشدني لنفسه:

وعدتِ بأن تزوري بعدَ شهر … فزوري قد تقضى الشهرُ زوري

وشقةُ بيننا نهرُ المعلّى … إلى البلد المسمى شهرَ زُورِ

فأشُهرُ صدِّك المحتوم حقُّ … ولكن شهرَ وصلك شهرُ زورِ

وكانت المنافسة في تلك الحقبة قوية بين أصحاب الحديث والملتزمين بالمذاهب لا سيما غير مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكان أبو محمد السراج يؤيد أصحاب الحديث، وقد مدحهم بقوله:

لله درُّ عصابة … يسعَونَ في طلب الفوائدْ

يُدْعَون أصحاب الحديث بهم تجملت المشاهد

طورا تراهم بالصعيد وتارة في ثغر آمد

يتَتَبعون من العلوم … بكل أرض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في التاسع عشر من صفر

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 13 يناير 2012 الساعة: 01:01 ص

في التاسع عشر من صفر من عام 898 ولد في اسكليب، مفتي السلطنة العثمانية محمد بن محمد بن مصطفى العمادي المعروف بأبي السعود وصاحب التفسير المعروف باسمه: تفسير أبي السعود.  وهذه الترجمة مستقاة من المحبي ومن مخطوطة في مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض تحت رقم 3149 ز.

ولد أبو السعود في بلدة اسكيليب Iskilip التابعة لمحافظة جوروم في شمالي وسط تركية، لأسرة معروفة بالصلاح والعلم، فعمُّ والدته المفسر المؤرخ الفلكي علاء الدين القوشجي، علي بن محمد السمرقندي الرومي المتوفى سنة 879،  وكان والده الملقب بمحيي الدين من المدرسين، وحرص على تعليمه منذ الصغر، وحفّظه وهو صغير كتاب مفتاح العلوم في النحو والأدب والاشتقاق والمعاني والبيان، وهو كتابٌ مشهور ألفت فيه شروح وحواشي، وهو من تأليف الأديب الشهير سراج الدين أبي يعقوب يوسف بن محمد الخوارزمي الحنفي الشهير بالسكاكي المولود سنة 555 والمتوفي سنة 626، فامتاز أبو السعود منذ صغره بفصاحة العرب، لا يخالط نثره وشعره ركاكة العجمة، وجاءت براعته الأدبية من هذه التنشئة السديدة، وكان يتكلم العربية والفارسية والتركية. ويبدو أن كتب الشريف الجرجاني،علي بن محمد المولود سنة 740 والمتوفى بشيراز سنة 816، كانت من الكتب المقررة آنذاك لأنه قرأ على والده شرح الجرجاني لكتاب تجريد العقائد للنصير الطوسي، وشرح الجرجاني للمفتاح للسكاكي، وشرحه كذلك لكتاب المواقف في أصول الدين والعقائد لعضد الدين الأيجي المتوفى سنة 756.

تنقل أبو السعود مدرساً في عدد من مدارس إستانبول ثم إلى مدرسة السلطان محمد في بورصة ثم إلى إحدى المدارس الثمان الرئيسة في القسطنطينية ثم ولي قضاء بورصة ثم القسطنطينية ثم قضاء الروم ايلي، ثم عينه السلطان سليمان القانوني قاضياً للقضاة في سنة 944، وفي سنة 951 شغر منصب الإفتاء، ويدعى صاحبه شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، فجمع السلطان سليمان رحمه الله العلماء في مجلسه، وأمرهم بالمناظرة، فرجح أبو السعود وتبين فضله واستحق التقديم، فعينه مفتياً فقام بأعباء ذلك المنصب خير قيام على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد، وهو أطول شيوخ الإسلام مدة، إذ بقي في المنصب فوق 30 سنة، وإذا كان السلطان سليمان يُعرف بالقانوني لما استحدثه من إصلاحات قانونية وتشريعية، فإن المفتى أبا السعود هو الذي اضطلع بهذا الإنجاز الكبير ونظم قوانين البلاد على أساس الشرع الإسلامي، أما على مستوى الأفراد فقد عمل أبو السعود دون كلل لتيسير مصالح العباد وحل مشاكلهم، قال: جلستُ يوماً بعد صلاة الصبح أكتب على الأسئلة المجتمعة فكتبت إلى صلاة العصر ألف وأربعمئة واثني عشر فُتيا.

وكان أبو السعود عالماً عاملاً، وإماماً كاملاً، شديد التحري في فتاويه، حسن التعليق عليها، حاضر الفطنة، جيد القريحة، لطيف العبارة، حلو النادرة، ويعده المؤرخون أعظم علماء الترك وأفضلهم، لم يكن له نظير في زمانه في العلم والرئاسة والديانة، وقد اهتم فقهاء الأحناف من بعده، فنجد ابن نجيم المصري، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المتوفى سنة 970، ينقل عنه كثيراً في كتابه البحر الرائق في شرح كنز الدقائق، كما نجد فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره الإمام ابن عابدين، محمد أمين بن عمر الدمشقي، المولود سنة 1198 والمتوفى سنة 1252، ينقل عنه كثيراً في حاشيته الشهيرة والمعنونة رد المحتار على الدر المختار، وهو ينقل عن معروضات أبي السعود، وفسَّرها بأنها المسائل التي عرضها على السلطان فأمر بالعمل بها.

وفي أيام أبي السعود انتشر شرب قهوة البُن، وكان لها في أول أيامها مجالس شرب تشبه مجالس الخمر من حيث إدارة الأكواب وتبادل الأنخاب، ولذا حرمها عددٌ من العلماء لهذه الملابسة، وسئل رحمه الله عن حكم شرب القهوة وقد وصف له اجتماع الفسقة على شربها، فأجاب: ما أكبَّ أهل الفجور على تعاطيه، فينبغي أن يجتنبه من يخشى الله ويتقيه.  وفي هذا قال معاصره الشاعر الحمصي علي جلبي:

أقول لأصحابي: عن القهوة انتهوا … ولا تجلسوا في مجلس هي فيهِ

وما كان تُركي شربها لكراهة … ولكن غدت مشروب كل سفيه

وتتحدث بعض مواقع الشيعة على الانترنت أن شيخ الإسلام أبا السعود أفتى السلطان سليمان القانوني بجواز قتل الشيعة، ويتحدث موقع آخر أنه أفتاه كذلك بقتل اليزيديين، ولم أتمكن من مراجعة كتاب فتاويه للتحقق مباشرة من هذين الخبرين، ولا ينقل عنه ابن عابدين في رد المحتار شيئاً في هذا الصدد على كثرة نُقُوله عنه، ولكن ابن عابدين في معرض الحديث عن الشيعة ينقل عنه أن  من سب أبا بكر وعمر ولعنهما فهو كافر. أما الفتوى بقتل اليزيدبين فهي - إن صحت - تستند إلى أسباب ومبررات سياسية، فلا إكراه في الدين، وأنا أستبعدها لأن الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله يقول في مقالة له في مجلته المنار: وقد اشتُهِرَ أن السلطان سليمان القانوني استفتى شيخ الإسلام أبا السعود في إلزام نصارى الروم إيلي بالإسلام أو إبادتهم؛ لأن بقاءهم متمتّعين بحريتهم في الدين واللغة وجميع الشؤون الاجتماعي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي