في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة من سنة 476 توفي في بغداد، عن 83 عاماً، الإمام أبو إسحاق الشيرازي الشافعي، إبراهيم بن علي بن يوسف، الإمام العالم العامل الزاهد، وهذه ترجمته مأخوذة في معظمها - مع تصرف وإضافات- عن ما كتبه الدكتور البحاث المحقق إحسان عباس رحمه الله في أول كتاب طبقات الفقهاء لأبي إسحاق، والذي قام بتحقيقه.
ولد أبو إسحاق الشيرازي سنة 393 في بلدة فَيروز آباد، وتقع على بعد 115 كم إلى الجنوب من شيراز قريباً من الخليج، وبها نشأ وفيها بدأ تحصيله العلمي، وبعد أن نال من العلم ما يمكن أن يتيحه له بلده، اغترب عنه استكمالاً للطلب فدخل شيراز سنة 410 وعمره في حدود السابعة عشرة، كما دخل الغندجان، ودرس فيهما وفي غيرهما على شيوخ الفقه حينئذ، واتصل بأبي الفرج الفامي الشيرازي أحد رجال المذهب الداودي الظاهري، وكان يناظره وهو في تلك السن المبكرة، إذ يقول في الطبقات: وكنت أناظره بشيراز وأنا صبي. وهذا يدل على أنه أحرز التمرس بفن الجدل وهو في تلك السن.
وبعد هذه المرحلة التي قضاها طالباً للعلم في بلاد فارس، اتبع سبيل علماء ذلك الزمان فاتجه إلى العراق، فدخل البصرة ودرس على فقهائها؛ ثم قصد بغداد فدخلها سنة 415 وهو في الثانية والعشرين من عمره، متابعاً طلب العلم، فوجد في بغداد بيئة علمية غير التي ألِفها من قبل في المدن والقرى التي درس فيها، فقد كانت تعج بأعلام الفقهاء والعلماء من مختلف المذاهب الفقهية والمدارس الاعتقادية، وحلقات الدرس في مساجدها ملأى بطلبة العلم من مشارق الأرض ومغاربها.
درس أبو إسحاق في بغداد على كبار فقهاء الشافعية، وكان من أكبر أساتذته في هذه المرحلة أبو الطيب الطبري، طاهر بن عبد الله، المولود سنة 348 والمتوفى سنة 450، وذكره أبو إسحاق فقال: ولم أرَ في من رأيتُ أكملَ اجتهاداً، وأشدَّ تحقيقاً، وأجود نظراً منه. ويليه في المنزلة بين سائر شيوخه أستاذه أبو حاتم محمود بن الحسن الطبري المعروف بالقزويني، المتوفى سنة 440، وقد قال عنه: ولم أنتفع بأحد في الرحلة كما انتفعتُ به، وبالقاضي أبي الطيب الطبري.
ولم تقتصر دراسة أبي إسحاق على علماء الشافعية بل درس على غيرهم، فهو يقول في القاضي أبي علي الهاشمي الحنبلي: حضرت حلقته وانتفعت به كثيرا. وكذلك استفاد وهو كبير من الشيخ أبي القاسم الرَقيّ، عبيد الله بن علي، المولود سنة 371 وتوفي سنة 450، والذي كان عالماً باللغة والأدب، عارفاً بالقراءات، وكان أبو إسحاق يسأله عن الكلمة من اللغة، ويقول له: قدِّر أنه سألك عنها صبي، ولا تقل إنه سألني عنها الشيخ أبو إسحاق.
نال أبو إسحاق إعجاب أستاذه أبي الطيب الطبري وثقته بعد وقت غير طويل، فرتبه معيداً لدرسه، والمعيد هو طالب متفوق يقوم بتدريس الطلاب فيما أشكل عليهم تخفيفاً على الشيخ، وأخذ الشيرازي نفسه بخطة صارمة ليكون عند حسن ظن أستاذه به، عندما قدّمه على آلاف التلاميذ، فقد قال متحدثاً عن نفسه في تلك الفترة: كنت أعيد كل قياسٍ ألف مرة، فإذا فرغت منه أخذت قياساً آخر وهكذا؛ وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيتُ شعر يُستشهَدُ به؛ حفظت القصيدة.
وبعد مضي خمسة عشر عاماً من قدومه إلى بغداد أذِنَ له- بل أمرَه - شيخُه أبو الطيب الطبري أن ينفرد في أحد المساجد، ففعل ذلك وأخذ يدرس في مسجد بباب المراتب. وما لبث أن اشتُهِر أمرُه وانتشر صيته في البلدان ووصل إليه الطلبة من كل مكان وأخذت الفتاوى تحمل إليه من جميع الجهات، وأصبح في حياة شيخه أبي الطيب من اكبر فقهاء الشافعية في عصره، شهرة بالفقه وأصوله ومسائل الخلاف وقوة العارضة في الجدل، وأصبح شيخه يعتمد عليه في شئون المناظرة ويقدمه لذلك.
ومن ذلك أن العادة ببغداد كانت إذا أصيب أحدٌ بوفاة أن يجلس للعزاء - ويسمونه الحقّ - ويمضي على ذلك أياماً لا يتخللها سوى قراءة القرآن أو المناظرة العلمية بين الشيوخ طلباً للثواب والفائدة؛ فلما توفيت زوجة الشيخ أبي الطيب الطبري، جاءه شيخ الحنفية القاضي أبو عبد الله الصيمري، فرغب الناس إليهما في المناظرة في مسألة فقهية، فاعتذر الصيمري عن ذلك وقال للناس: من كان له تلميذ مثل أبي عبد الله الدامغاني لا يحوج إلى الكلام، وها هو حاضر من أراد أن يكلمه فليفعل. فقال القاضي أبو الطيب: وهذا أبو إسحاق من تلامذتي ينوب عني.
وفي سنة 447 توفي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن جعفر بن ماكولا الشافعي، فاتجهت أنظار الخليفة القائم بأمر الله إلى تعيين أبي إسحاق الشيرازي، وأراده على أن يتولى قضاء القضاة فأبى فحاول إكراهه على ذلك فامتنع أيضاً، فوكل به من يلازمه حتى يحمله على القبول، فكتب إليه أبو إسحاق: ألم يكفك أن هلكتَ حتى تُهلكَني معك! فتأثر الخليفة لهذا وقال: هكذا فليكن العلماء؛ إنما أردنا أن يقال انه كان في عصرنا من وُكِلَ به، وأُكرِهَ على القضاء فامتنع، وقد أعفيناه.
وبعد وفاة الشيخ أبي الطيب الطبري في سنة 450، صار أبو إسحاق العلم المتفرد بين فقهاء مذهبه، لا ينازعه في هذا منازع، حتى أن الوزير نظام الملك السلجوقي لما بنى المدرسة النظامية ببغداد لم يقع اختياره لتولي التدريس فيها إلا على الشيخ أبي إسحاق، بل أنه جعلها برسمه بعد أن وافق الشيخ نفسه على ذلك.
وفي العاشر من ذي القعدة سنة 459 وبحضور أبي سعد القاشي وكيل الوزير نظام الملك، اجتمع الناس من مختلف الطبقات لافتتاح المدرسة التي دام إنشاؤها قرابة سنتين، ولحضور أول درس فيها يلقيه أبو إسحاق، ولكنه تأخر وطال انتظار الناس تشوقاً فلم يحضر، وطُلِبَ فلم يوجد، وعندئذ عهِدَ القاشي إلى أبي نصر عبد السَّيِّد بن الصباغ بالتدريس فيها.
وقيل أن أبا إسحاق إنما عدل عن الحضور بعد موافقته لأن شاباً لقيه في الطريق فقال له: يا سيدنا، تريد تدرس في المدرسة؟ قال نعم. قال: وكيف تدرس في مكان مغصوب؟ وعندئذ غيَّرَ الشيخُ نيته ولم يحضر. وبلغ نظامَ الملك أن ابن الصباغ قد تولى التدريس في النظامية، فغضب وأقام القيامة على العميد أبي سعد، وأبى أن يقبل بأحد سوى الشيرازي؛ وظهر أبو إسحاق بمسجد باب المراتب يلقي دروسه على عادته، فاجتمع إليه الناس داعين له لأنه رفض التدريس، وكان قد بلغهم أنه قال: إني لم أطب نفساً بالجلوس في هذه المدرسة لما بلغني أن أبا سعد القاشي غصب أكثر آلاتها ونقض قطعة من البلد لأجلها.
غير أن تلامذة أبي إسحاق اغتموا لما فعله شيخهم، وفتروا عن حضور دروسه، وراسلوه يعلمونه انه إن لم يتول التدريس بالمدرسة فانهم سينفضون من حوله ويلحقون بابن الصباغ، فأرضاهم بالاستجابة تطيباً لقلوبهم؛ وصُرِفَ ابن الصباغ عن التدريس بعد أن قضى في ذلك عشرين يوماً، وجلس أبو إسحاق في النظامية في مستهل شهر ذي الحجة سنة 459 وبقي فيها مدرساً إلى حين وفاته أي حوالي سبعة عشر عاماً؛ وكان إذا حضر وقت الصلاة خرج منها وصلى في بعض المساجد القريبة تحرجاً من الصلاة في موضع لحقته شبهة الغصب.
ولم يقبل أبو إسحاق بأخذ أجر على التدريس، ولم يغير زِيَّهُ مقتصراً على عمامة صغيرة وثوب قطني، وكان له رفيق من أيام الدراسة يسمى الفقيه رافع بن نصر الحمال، فكان يحمل شطر نهاره بالاجرة، وينفق على نفسه وعلى أبي إسحاق وأبي يعلى ابن الفراء الحنبلي، ثم إن رافعا حج وجاور، وصار فقيه الحرم في حدود سنة 440، وتوفي بمكة سنة 447رحمه الله تعالى.
وبتسنمه للتدريس في المدرسة النظامية أصبح أبو إسحاق كبير الشافعية ببغداد، ولمحبة الناس له وثقتهم بورعه وتقواه، وفقهه وعلمه، ولما توفي الخليفة القائم سنة 467، بعد أن دامت خلافته 45 عاماً، بويع بوصية منه حفيده المقتدي بأمر الله وكان شاباً في العشرين من عمره، كان أول من بايعه من الأعيان الوزير السلجوقي مؤيد الملك بن نظام الملك، ووزير القائم ابن جهير، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر ابن الصباغ، ونقيب النقباء، وطراد الزينبي، والقاضي أبو عبد الله الدامغاني الحنفي.
ولم تخل حياة أبي إسحاق رحمه الله من التعصب المذهبي الذي كان يندلع بين حين وآخر في بغداد بين الحنابلة وبين المذاهب الأخرى، فقد شهد في آخر حياته عدة مواجهات كان أولها في سنة 469 حين اندلعت فتنة كبيرة بين الحنابلة والشافعية محورها عقيدة الأشاعرة، فقد حضر إلى المدرسة أبو نصر القُشَيري عبد الرحيم بن عبد الكريم - ابن أبي القاسم صاحب الرسالة - وهو في طريقه إلى مكة، فألقى درساً تكلم فيه حول مذهب الأشاعرة وأيّده، ثم تعرض للحنابلة بالذم ونسبهم إلى التجسيم وشبهة الكفر، فاستاء الحنابلة من ذلك، وتظاهروا ضده، وتفاقمت الأمور بسرعة إلى






















