في السابع من ربيع الأول من سنة 125 توفي في الرُصافة، غربي الرَّقة في سورية، الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم عن 54 عاماً، بعد أن حكم البلاد قرابة 20 عاماً، وكان عملياً آخر خلفاء بني أمية إذ تدهورت الأحوال من بعده تدهوراً سريعاً فلم تمض بضع سنوات إلا وقد دالت دولتهم وانتهى سلطانهم. وأعتذر من الإطالة في سيرته فهو خليفة مغموط الحق بستحق الإطالة لبيان خصاله وإنجازاته.
ولد هشام بن عبد الملك سنة 71 في دمشق، وأمه عائشة بنت هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان عبد الملك قد عهد من بعده إلى بنيه الأربعة الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام بن عبد الملك، وبويع هشام بعد وفاة أخيه يزيد سنة 105 عن 29 عاماً وكانت مدة ولايته 4 سنوات.
تولى هشام الخلافة مدة تقارب عشرين سنة، وكان هشام صاحب دين وحلم، معرضاً عن الملذات منصرفاً عن الجواري والغناء، وكان حسن السياسة، يقظا في أمره، يباشر الأعمال بنفسه، حليماً بطيء الغضب، وكان نقش خاتمه: الحكم للحكم الحكيم. وكان أبيضَ جميلاً سميناً أحول، يخضب بالسوِاد.
روى بشير مولى هشام بن عبد الملك قال: أُتيَ هشامٌ برجل عنده قِيان وخمر وبَرْبَط - أي عود المعازف - فقال: اكسروا الطُنبور على رأسه! وضربه فبكى الشيخ فقال بشير فقلت له وأنا أعزيه: عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي للضرب؟! أنا أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبورا!
وخرجت جارية لهشام بن عبد الملك، وعليها درع من لؤلؤ، فتحرش بها جليسه الأبرش الكلبي، أبرش بن الوليد وكان أحد الفصحاء، وقال لها: أتهبين لي هذا الدرع؟ فقالت: لأنت أطمع من أشعب! فقال هشام: وما أشعب؟ فجعلت تذكر له طرائف من طرائفه، فقال للكاتب: اكتب إلى المدينة: يرفع أشعب إلينا، فإن فيه ملهى. فكتب الكتاب، فلما قرأه هشام شقه، فقال الأبرش: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: استحييت أن يرد كتابي على أهل المدينة - دار الهجرة والسنة وأبناء المهاجرين والأنصار - يُرفَع إليَّ من عندهم مضحك، ثم أنشأ يقول:
إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
ويقال: إنه لم يقل من الشعر غير هذا البيت.
وأغلظ رجل لهشام فقال له هشام: ليس لك أن تغلظ لإمامك.
وتفقد هشام بعض ولده لم يحضر الجمعة فقال له: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتي، قال: فعجزت عن المشي؟ فتركت الجمعة؟! فمنعه الدابة سنة.
ومدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال له: يا هذا إنه قد نُهيَ عن مدح الرجل في وجهه، فقال: ما مدحتك، ولكن ذكرتك نعم الله عليك لتجدد لها شكراً، فقال له هشام: هذا أحسن من المدح، ووصله وأكرمه.
وأرسل حسان النبطي إلى هشام بن عبد الملك هدايا كثيرة إليه وإلى أمهات أولاده من الكساء والعطر والجوهر وغيرها، فاستكثرها هشام، وقال: بيت المال أحق بهذا، ثم أمر فنودي عليها، فبلغت مائة ألف دينار، فبعث حسان أثمانها، وقال: يا أمير المؤمنين، قد طابت الآن، هذه مائة ألف دينار تحمل إلى بيت المال، فأقبل هديتي؛ فقبلها.
وروي لأبي جعفر المنصور أن هشام بن عبد الملك مرَّ على جماعة، فقال رجلٌ من القوم: قد مر الأحول؛ قال: من تعني؟ قال: هشاماً؛ قال: تسمي أمير المؤمنين بالنبز، والله ولولا رَحِمُك لضربت عنقك؛ فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع مع مثله المحيا والممات.
واعتمَّ هشام بن عبد الملك فقام جليسه الأبرش الكلبي ليسوي عمامته، فقال هشام: مه، إنا لا نتخذ الأخوان خَوَلا.
قال عقّال بن شبّة: دخلت على هشام، وعليه قباء فنك أخضر، فوجهني إلى خراسان، وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء، ففطن، فقال: ما لك؟ قلت: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء فنك أخضر، فجعلت أتأمّل هذا، أهو ذاك أم غيره؟ فقال: هو والله الذي لا إله إلا، هو ذاك، ما لي قباء غيره. وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه لكم. قال: وكان عقّال يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشوّ عقلاً.
وأراد عقال بن شبة أن يقبل يد هشام بن عبد الملك، فمنعه وقال: مه، لا يفعل هذا من العرب إلا الـهَلوع، ولا من العجم إلا الـخَضوع.
ولم يكن أحد يسير في أيام هشام في موكب إلاّ مسلمة بن عبد الملك، ورأى هشام يوماً ابنه سالماً في موكب، فزجره وقال: لأعلمنّ متى سرت في موكب. وكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم، ويقول: حاجتك، ويمنعه أن يسير معه.
اما سياسته المالية فكانت قائمة على إيراد الأموال إلى الخزينة العامة وإنفاقها في المكان المناسب، ولما كان المعهود عن الملوك الإنفاق والسرف اعتبره بعض المؤرخين بخيلاً، ولكنه كان حريصاً على المال العام، قال الأمير العباسي عبد الله بن عليّ: جمعت دواوين بني مروان، فلم أر ديواناً أصحّ ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام. وقال غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بني مروان أشد نظراً في أمر أصحابي ودواوينه، ولا أشدّ مبالغة في الفحص عنهم من هشام. وقال بعض آل مروان لهشام: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان؟ قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف!
كان هشام يحب العلماء ويعرف لهم أقدارهم، ويكرمهم بالإجلال والأموال، وفد إليه التابعي الجليل المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي القرشي، وكان من الصالحين المتصفين بالتقوى والزهد والكرم، فأدى عنه هشام بن عبد الملك ديناً بلغ سبعة عشر ألف دينار .
وممن قصد هشام بن عبد الملك الإمامُ محمد بن مسلم المعروف بابن شهاب الزُهري، المتوفى سنة 124 عن 73 عاماً، وكان من أعلام التابعين، رأى عشرة من أصحاب النبي، وروى عنه جماعة من الأئمة مثل مالك وسفيان الثوري وغيرهما، حدث ابن شهاب قال: قدمت دمشق زمن عبد الملك فجلست في مجلس لا أعرفهم، فأقبل رجل، فأوسعوا له، فإذا هو قبيصة بن ذؤيب فقال: إن أمير المؤمنين أتاه شيء من أمهات الأولاد من ناحية المدينة، وكان عبد الملك قد سمع من سعيد بن المسيب فيه حديثاً، فلم يحفظه، فقلت: أنا أحدثه بالحديث عن ابن المسيب.
قال: فأخذ بيدي، فأدخلني على عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين هذا يحدث بالحديث عن ابن المسيب. فسألني عن نسبي، فانتسبت له، فقال: إن كان أبوك لنعاراً في الفتن، كيف حديث ابن المسيب؟ قلت: إن سعيد بن المسيب كان يحدث أن فتىً من قريش كان يعجب عمرَ بن الخطاب عقلُه ولسانُه،. لقيه ذات يوم فسأله: ما صنعت في ميراثك من أبيك؟ قال: خرجت من ميراثي من أبي بأمي. قال: فصعد عمر المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فمن كانت له أمة يطؤها فولدت له، فإنها تعتق من رأس المال. فقال لي عبد الملك: ما مات رجل ترك مثلك.
وغضب سعيد بن المسيب على ابن شهاب، وقال: ما حملك عل أن حدثت عبد الملك بن مروان حديثي؟ فما زال غضبان عليه، حتى ترضاه بعد.
وكان ابن شهاب الزهري لا يملي الحديث على أحد، فسأله هشام بن عبد الملك أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمئة حديث، ثم خرج الزهري من عند هشام قال: أين أنتم يا أصحاب الحديث: فحدثهم بتلك الأربعمئة حديث، ثم أقام هشام شهراً أو نحوه، ثم قال للزهري: إن ذلك الكتاب الذي أمليت علينا قد ضاع. قال: فلا عليك، ادع بكاتب. فدعا بكاتب فحدثه بالأربعمئة حديث، ثم قابل هشامُ بالكتاب الأول فإذا هو لا يغادر حرفاً واحداً.
وقضى هشام بن عبد الملك عن الزهري ديناً له بلغ سبعة آلاف دينار، فقال هشام للزهري: لا تعد لمثلها. وقال الزهري: سمعت عبد الملك بن مروان قبل موته خطيباً يقول: إن العلم سيقبض قبضاً سريعاً، فمن كان عنده علم فليظهره، غير غال فيه ولا جاف عنه.
ولما حج هشام بن عبد الملك وهو خليفة سنة 106 مرّ بالمدينة المنورة، وأراد أن يلتقي بسالم بن عبد الله بن عمر، وقال: هذا بقية الناس، عليَّ به، فجاء في ثوبين، فقال: أتدخل على أمير المؤمنين في هذا الزِيّ؟ فقال: ألا أدخل عليه في زِيٍّ أقوم في مثله بين يدي رب العالمين، فدخل فسلم فرفعه وقربه، وقال: كم سنك يا أبا عمر؟ قال: ستون سنة، قال: ما رأيت ابن ستين أتم كدنة منك ما أكلك؟ قال: الخبز والزيت، قال: فإذا أُجُمِتَه؟ قال: أدعه حتى أشتهيه، قال: فخرج من بين يدي فحمّ، فقال: لقعني الأحول بعينه! فاعتل ومات فصلى عليه هشام وكان يقول: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً: بحجتي، أم بصلاتي على سالم.
ولما حج بالناس هشام بن عبد الملك كتب إلى أبي الزناد، عبد الله بن ذكوان الإمام المتوفى سنة 130 عن 66 عاماً، قبل دخوله المدينة ليتلقاه ويكتب له مناسك الحج، ففعل، فتلقاه الناس من المدينة إلى أثناء الطريق، وفيهم أبو الزناد قد امتثل ما أمر به، وتلقاه فيمن تلقاه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، فقال له: يا أمير المؤمنين إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب - يعني علياً كرم الله وجهه - فالعنه أنت أيضا.
قال أبو الزناد: فشقَّ ذلك على هشام واستثقله، وقال: ما قدمنا لشتم أحد، ولا لعنة أحد، إنما قدمنا حجاجا. ثم أعرض عنه وقطع كلامه وأقبل عليَّ يسألني عن الحج، فأخبرته بما كتبت له، وشقَّ على سعيد أني سمعته تكلم بذلك وكان منكسراً كلما رآني.
وحدَّث عثمان بن عطاء الخراساني قال: انطلقت مع أبي وهو يريد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا إذا بشيخ أسود على حمار، عليه قميص دنس، وجبة دنسة، وقلنسوة لاطية دنسة، وركاباه من خشب. فضحكت وقلت لأبي: من هذا الأعرابي؟ قال: اسكت، هذا سيد فقهاء الحجاز، هذا عطاء بن أبي رباح، فلما قرب نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتساءلا، ثم عادا فركبا فانطلقا حتى وقفا بباب هشام، فلما رجع أبي سألته، فقلت: حدَّثني ما كان منكما.
قال: لما قيل لهشام عطاء بن أبي رباح بالباب أذن له، فوالله ما دخلنا إلا بسببه. فلما رآه هشام قال: مرحباً مرحباً ها هنا ها هنا، فرفعه حتى مست ركبته ركبه، وعنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا. فقال هشام: ما حاجتك يا أبا محمد؟ قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين، أهل الله، وجيران رسول صلى الله عليه وسلم يقسم فيهم أعطياتهم وأرزاقهم، قال: نعم، يا غلام أكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاءين وأرزاقهم لسنة، ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز وأهل نجد، أصل العرب، ترد فيهم فضول صدقاتهم قال: نعم، يا غلام اكتب بأن ترد فيهم صدقاتهم، قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور يرمون من وراء بيضتكم، ويقاتلون عدوكم، قد أجريتم لهم أرزاقاً تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا أغرتم. قال: نعم، اكتب بحمل أرزاقهم إليهم يا غلام. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم يحيى صغارهم ولا يتعتع كبارهم، ولا يكلفون إلا ما يطيقون، قال: نعم، اكتب لهم يا غلام، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحداً، قال: فأكب هشام وقام عطاء، فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس لا أدري ما فيه، أدراهم أم دنانير، فقال: إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا. فقال: لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على رب العالمين.
قال إبراهيم بن أبي عبلة، شمر بن يقظان القيسي العقيلي المتوفى سنة 52: بعث إليَّ هشام بن عبد الملك، فقال: يا إبراهيم، إنا قد عرفناك صغيراً وخبرناك كبيراً، ورضينا بسيرتك وحالك، وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وبخاصتي، وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر، فقال: أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين فالله يجزيك ويثيبك وكفى به جازياً ومثيباً، وأما الذي أنا عليه فمالي بالخراج تصرف، ومالي عليه قوة. فغضب حتى اختلج وجهه، ثم قال: ليلينَّ طائعاً أو ليلينَّ كارهاً.
فأمسكت عن الكلام حتى رأيت غضبه قد انكسر وسورته قد طفئت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أأتكلم؟ فقال: نعم، فقلت: إن الله سبحانه قال في كتابه في سورة الأحزاب { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } والله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين، ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب علي إذ أبيت ولا تكرهني إذ كرهت، فضحك وقال: يا إبراهيم أبيت إلا فقهاً! فقد أعفيناك ورضينا عنك.
كان نمير بن أوس قاضياً لهشام فكتب إليه يستعفيه من القضاء، ويخبره أنه قد ضعف، فقال هشام بن عبد الملك: من لقضاء الجند؟ قالوا: يزيد بن يزيد بن جابر، قال: ليس إليه من سبيل. وكان هشام قد أصحبه ابنه معاوية بن هشام. قالوا: فيحيى بن يحيى الغساني. قال: ذاك صاحب منبر. قالوا: فيزيد بن أبي مالك. فأمر بعهده فكتب، وولاه القضاء.
قال العتبي: إني لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيم ابن محمد بن طلحة وصاحب حرس هشام حتى قعدا بين يديه، فقال: إن أمير المؤمنين جراني في خصومة بينه وبين إبراهيم. فقال القاضي شاهديك على الجراية. فقال: أتراني قلت على أمير المؤمنين ما لم يقل، وليس بيني وبينه إلا هذه السترة! قال: لا، ولكنه لا يثبت الحق لك ولا عليك إلا ببينة.
قال: فقام الحرسي فدخل على هشام فأخبره. فلم نلبث أن تقعقعت الأبواب وخرج الحرسي، وقال: هذا أمير المؤمنين. وخرج هشام، فلما نظر إليه القاضي قام، فأشار إليه وبسط له مصلى، فقعد عليه وإبراهيم بين يديه. وكنا حيث نسمع بعض كلامهم ويخفى عنا بعضه قال: فتكلما وأحضرا البينة، فقضى القاضي على هشام بن عبد الملك. فتكلم إبراهيم بكلمة فيها بعض الخَرَق فقال: الحمد لله الذي أبان للناس ظلمك. فقال له هشام: هممت أن أضربك ضربة ينتثر منها لحمك عن عظمك. قال: أما والله لئن فعلت لتفعلنه بشيخ كبير السن قريب القرابة واجب الحق. فقال هشام: يا إبراهيم، استرها علي. قال: لا ستر الله علي إذا ذنبي يوم القيامة إن سترتها. قال: فإني معطيك عليها مئة ألف. قال إبراهيم: فسترتها عليه أيام حياته ثمنا لما أخذت منه، وأذعتها بعد مماته تزيينا له.
وكان بمصر يتيم تحت ولاية أحد أقاربه، فبلغ اليتيم فلم يسلمه الوصي ماله، فتظلم إلى القاضي يحيى بن ميمون فلم ينصفه القاضي، فأحضر بينة للقاضي بأنه مظلوم، فلم يقبل يحيى بن ميمون قول شهوده، فكتب إليه الغلام بأبيات:
ألا أبلغ أبا حسان عني … بأن الحكم ليس على هواكا
حكمت بباطل لم تأت حقا … ولم يسمع بحكم مثل ذاكا
وتزعم أنه حق وعدل … وأزعم أنها ليست كذاكا
ألم تعلم بأن الله حق … وأنك حين تحكم قد يراكا
فلما قرأ الرقعة أمر بسجنه، فبلغ ذلك هشام بن عبد الملك فكتب إلى أمير مصر الوليد بن رفاعة يأمره بعزله، وفي الكتاب: اصرفه مذموما مدحورا، وعين للقضاء رجلا عفيفا تقيا لا تأخذه في الله لومة لائم.
كان لهشام بن عبد الملك أحد عشر ولداً أرسلهم كلهم للجهاد في أطراف الدولة مع بيزنطة والهند والسند، وكان يحضهم على مكارم الأخلاق والتطلع لجلائل الأعمال.
ومن أولاده معاوية بن هشام جد أمراء الأندلس من بني أمية، كان أنبل أولاد أبيه: جوادا غازيا ممدحا، ولي الغزو مرات، وغزا قبرص في البحر سنة 108، وكان في جيشه العابد الإمام ميمون بن مهران الرقّيّ، وقاد الصوائف - وهي غزو الروم في الصيف - عشراً من السنين متصلة، وتوفى معاوية في حياة أبيه سنة 119، في دير حنين قرب قنسرين من أعمال حلب، ورثاه الشاعر الكميت بقوله:
فأي فتى دين ودنيا تلمست … بدير حنيناء المنايا فدلتِ
وكانت وفاة معاوية بسبب أنه ركب مرة فثار بين يديه ثعلب، فركض خلفه، فما تبعه غلوة؛ حتى عثر به فرسه فسقط فاحتملوه ميتاً، فقال هشام: إنا لله لقد أجمعت أن أرشحه للخلافة، ويتبع ثعلباً! وخلف معاوية ابناً في السادسة من عمره هو عبد الرحمن الداخل الذي أسس فيما بعد الدولة الأموية بالأندلس سنة 138.
ومن أولاده مسلمة بن هشام، ويلقب أبا شاكر، كان شريفاً ممدوحاً، ولاه






















