Yahoo!

حدث في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 13 مايو 2012 الساعة: 01:01 ص

 

في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة من سنة 476 توفي في بغداد، عن 83 عاماً، الإمام أبو إسحاق الشيرازي الشافعي، إبراهيم بن علي بن يوسف، الإمام العالم العامل الزاهد، وهذه ترجمته مأخوذة في معظمها - مع تصرف وإضافات- عن ما كتبه الدكتور البحاث المحقق إحسان عباس رحمه الله في أول كتاب طبقات الفقهاء لأبي إسحاق، والذي قام بتحقيقه.

ولد أبو إسحاق الشيرازي سنة 393 في بلدة فَيروز آباد، وتقع على بعد 115 كم إلى الجنوب من شيراز قريباً من الخليج، وبها نشأ وفيها بدأ تحصيله العلمي، وبعد أن نال من العلم ما يمكن أن يتيحه له بلده، اغترب عنه استكمالاً للطلب فدخل شيراز سنة 410 وعمره في حدود السابعة عشرة، كما دخل الغندجان، ودرس فيهما وفي غيرهما على شيوخ الفقه حينئذ، واتصل بأبي الفرج الفامي الشيرازي أحد رجال المذهب الداودي الظاهري، وكان يناظره وهو في تلك السن المبكرة، إذ يقول في الطبقات: وكنت أناظره بشيراز وأنا صبي. وهذا يدل على أنه أحرز التمرس بفن الجدل وهو في تلك السن.

وبعد هذه المرحلة التي قضاها طالباً للعلم في بلاد فارس، اتبع سبيل علماء ذلك الزمان فاتجه إلى العراق، فدخل البصرة ودرس على فقهائها؛ ثم قصد بغداد فدخلها سنة 415 وهو في الثانية والعشرين من عمره، متابعاً طلب العلم، فوجد في بغداد بيئة علمية غير التي ألِفها من قبل في المدن والقرى التي درس فيها، فقد كانت تعج بأعلام الفقهاء والعلماء من مختلف المذاهب الفقهية والمدارس الاعتقادية، وحلقات الدرس في مساجدها ملأى بطلبة العلم من مشارق الأرض ومغاربها.

درس أبو إسحاق في بغداد على كبار فقهاء الشافعية، وكان من أكبر أساتذته في هذه المرحلة أبو الطيب الطبري، طاهر بن عبد الله، المولود سنة 348 والمتوفى سنة 450، وذكره أبو إسحاق فقال: ولم أرَ في من رأيتُ أكملَ اجتهاداً، وأشدَّ تحقيقاً، وأجود نظراً منه. ويليه في المنزلة بين سائر شيوخه أستاذه أبو حاتم محمود بن الحسن الطبري المعروف بالقزويني، المتوفى سنة 440، وقد قال عنه: ولم أنتفع بأحد في الرحلة كما انتفعتُ به، وبالقاضي أبي الطيب الطبري.

ولم تقتصر دراسة أبي إسحاق على علماء الشافعية بل درس على غيرهم، فهو يقول في القاضي أبي علي الهاشمي الحنبلي: حضرت حلقته وانتفعت به كثيرا. وكذلك استفاد وهو كبير من الشيخ أبي القاسم الرَقيّ، عبيد الله بن علي، المولود سنة 371 وتوفي سنة 450، والذي كان عالماً باللغة والأدب، عارفاً بالقراءات، وكان أبو إسحاق يسأله عن الكلمة من اللغة، ويقول له: قدِّر أنه سألك عنها صبي، ولا تقل إنه سألني عنها الشيخ أبو إسحاق.

نال أبو إسحاق إعجاب أستاذه أبي الطيب الطبري وثقته بعد وقت غير طويل، فرتبه معيداً لدرسه، والمعيد هو طالب متفوق يقوم بتدريس الطلاب فيما أشكل عليهم تخفيفاً على الشيخ، وأخذ الشيرازي نفسه بخطة صارمة ليكون عند حسن ظن أستاذه به، عندما قدّمه على آلاف التلاميذ، فقد قال متحدثاً عن نفسه في تلك الفترة: كنت أعيد كل قياسٍ ألف مرة، فإذا فرغت منه أخذت قياساً آخر وهكذا؛ وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيتُ شعر يُستشهَدُ به؛ حفظت القصيدة.

وبعد مضي خمسة عشر عاماً من قدومه إلى بغداد أذِنَ له-  بل أمرَه - شيخُه أبو الطيب الطبري أن ينفرد في أحد المساجد، ففعل ذلك وأخذ يدرس في مسجد بباب المراتب. وما لبث أن اشتُهِر أمرُه وانتشر صيته في البلدان ووصل إليه الطلبة من كل مكان وأخذت الفتاوى تحمل إليه من جميع الجهات، وأصبح في حياة شيخه أبي الطيب من اكبر فقهاء الشافعية في عصره، شهرة بالفقه وأصوله ومسائل الخلاف وقوة العارضة في الجدل، وأصبح شيخه يعتمد عليه في شئون المناظرة ويقدمه لذلك.

ومن ذلك أن العادة ببغداد كانت إذا أصيب أحدٌ بوفاة أن يجلس للعزاء - ويسمونه الحقّ -  ويمضي على ذلك أياماً لا يتخللها سوى قراءة القرآن أو المناظرة العلمية بين الشيوخ طلباً للثواب والفائدة؛ فلما توفيت زوجة الشيخ أبي الطيب الطبري، جاءه شيخ الحنفية القاضي أبو عبد الله الصيمري، فرغب الناس إليهما في المناظرة في مسألة فقهية، فاعتذر الصيمري عن ذلك وقال للناس: من كان له تلميذ مثل أبي عبد الله الدامغاني لا يحوج إلى الكلام، وها هو حاضر من أراد أن يكلمه فليفعل. فقال القاضي أبو الطيب: وهذا أبو إسحاق من تلامذتي ينوب عني.

وفي سنة 447 توفي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن جعفر بن ماكولا الشافعي، فاتجهت أنظار الخليفة القائم بأمر الله إلى تعيين أبي إسحاق الشيرازي، وأراده على أن يتولى قضاء القضاة فأبى فحاول إكراهه على ذلك فامتنع أيضاً، فوكل به من يلازمه حتى يحمله على القبول، فكتب إليه أبو إسحاق: ألم يكفك أن هلكتَ حتى تُهلكَني معك! فتأثر الخليفة لهذا وقال: هكذا فليكن العلماء؛ إنما أردنا أن يقال انه كان في عصرنا من وُكِلَ به، وأُكرِهَ على القضاء فامتنع، وقد أعفيناه.

وبعد وفاة الشيخ أبي الطيب الطبري في سنة 450، صار أبو إسحاق العلم المتفرد بين فقهاء مذهبه، لا ينازعه في هذا منازع، حتى أن الوزير نظام الملك السلجوقي لما بنى المدرسة النظامية ببغداد لم يقع اختياره لتولي التدريس فيها إلا على الشيخ أبي إسحاق، بل أنه جعلها برسمه بعد أن وافق الشيخ نفسه على ذلك.

وفي العاشر من ذي القعدة سنة 459 وبحضور أبي سعد القاشي وكيل الوزير نظام الملك، اجتمع الناس من مختلف الطبقات لافتتاح المدرسة التي دام إنشاؤها قرابة سنتين، ولحضور أول درس فيها يلقيه أبو إسحاق، ولكنه تأخر وطال انتظار الناس تشوقاً فلم يحضر، وطُلِبَ فلم يوجد، وعندئذ عهِدَ القاشي إلى أبي نصر عبد السَّيِّد بن الصباغ بالتدريس فيها.

وقيل أن أبا إسحاق إنما عدل عن الحضور بعد موافقته لأن شاباً لقيه في الطريق فقال له: يا سيدنا، تريد تدرس في المدرسة؟ قال نعم. قال: وكيف تدرس في مكان مغصوب؟ وعندئذ غيَّرَ الشيخُ نيته ولم يحضر. وبلغ نظامَ الملك أن ابن الصباغ قد تولى التدريس في النظامية، فغضب وأقام القيامة على العميد أبي سعد، وأبى أن يقبل بأحد سوى الشيرازي؛ وظهر أبو إسحاق بمسجد باب المراتب يلقي دروسه على عادته، فاجتمع إليه الناس داعين له لأنه رفض التدريس، وكان قد بلغهم أنه قال: إني لم أطب نفساً بالجلوس في هذه المدرسة لما بلغني أن أبا سعد القاشي غصب أكثر آلاتها ونقض قطعة من البلد لأجلها.

غير أن تلامذة أبي إسحاق اغتموا لما فعله شيخهم، وفتروا عن حضور دروسه، وراسلوه يعلمونه انه إن لم يتول التدريس بالمدرسة فانهم سينفضون من حوله ويلحقون بابن الصباغ، فأرضاهم بالاستجابة تطيباً لقلوبهم؛ وصُرِفَ ابن الصباغ عن التدريس بعد أن قضى في ذلك عشرين يوماً، وجلس أبو إسحاق في النظامية في مستهل شهر ذي الحجة سنة 459 وبقي فيها مدرساً إلى حين وفاته أي حوالي سبعة عشر عاماً؛ وكان إذا حضر وقت الصلاة خرج منها وصلى في بعض المساجد القريبة تحرجاً من الصلاة في موضع لحقته شبهة الغصب.

ولم يقبل أبو إسحاق بأخذ أجر على التدريس، ولم يغير زِيَّهُ مقتصراً على عمامة صغيرة وثوب قطني، وكان له رفيق من أيام الدراسة يسمى الفقيه رافع بن نصر الحمال، فكان يحمل شطر نهاره بالاجرة، وينفق على نفسه وعلى أبي إسحاق وأبي يعلى ابن الفراء الحنبلي، ثم إن رافعا حج وجاور، وصار فقيه الحرم في حدود سنة 440، وتوفي بمكة سنة 447رحمه الله تعالى.

وبتسنمه للتدريس في المدرسة النظامية أصبح أبو إسحاق كبير الشافعية ببغداد، ولمحبة الناس له وثقتهم بورعه وتقواه، وفقهه وعلمه، ولما توفي الخليفة القائم سنة 467، بعد أن دامت خلافته 45 عاماً، بويع بوصية منه حفيده المقتدي بأمر الله وكان شاباً في العشرين من عمره، كان أول من بايعه من الأعيان الوزير السلجوقي مؤيد الملك بن نظام الملك، ووزير القائم ابن جهير، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر ابن الصباغ، ونقيب النقباء، وطراد الزينبي، والقاضي أبو عبد الله الدامغاني الحنفي.

ولم تخل حياة أبي إسحاق رحمه الله من التعصب المذهبي الذي كان يندلع بين حين وآخر في بغداد بين الحنابلة وبين المذاهب الأخرى، فقد شهد في آخر حياته عدة مواجهات كان أولها في سنة 469 حين اندلعت فتنة كبيرة بين الحنابلة والشافعية محورها عقيدة الأشاعرة، فقد حضر إلى المدرسة أبو نصر القُشَيري عبد الرحيم بن عبد الكريم - ابن أبي القاسم صاحب الرسالة - وهو في طريقه إلى مكة، فألقى درساً تكلم فيه حول مذهب الأشاعرة وأيّده، ثم تعرض للحنابلة بالذم ونسبهم إلى التجسيم وشبهة الكفر، فاستاء الحنابلة من ذلك، وتظاهروا ضده، وتفاقمت الأمور بسرعة إلى

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في العشرين من جمادى الآخرة

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 11 مايو 2012 الساعة: 01:01 ص

في العشرين من جمادى الآخرة من سنة 613 توفي في حلب، عن 45 عاماً، الملك الظاهر الأيوبي، غياث الدين غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، من ملوك الدولة الأيوبية، ملك حلب.

ولد بالقاهرة سنة 568، وكان صلاح الدين رحمه الله حريصاً على أن يحضر أولاده شيئاً من مجالس العلم، فسمع الملك الظاهر بعضاً من موطأ مالك مع والده وثلة من آل أيوب من الفقيه أبي الطاهر إسماعيل بن مكي ابن عوف الإسكندراني المولود سنة 485 والمتوفى سنة 581، ودرس بمصر على نحوي زمانه الإمام عبد الله بن برّي المولود سنة 499 والمتوفى سنة 582، وسمع بدمشق من المحدث الكبير الفضل بن الحسين البانياسي المولود سنة 495 والمتوفى سنة 482، وعقد الملك الظاهر مجلساً للتحديث بحلب حدّث فيه ببعض مروياته.

حضر الملك الظاهر مع والده كل معاركه، وشارك فيها لما بلغ مبلغ الرجال، وأعطاه والده مملكة حلب سنة 579، ثم أخذها منه بعد ستة أشهر وأعطاها لعمه الملك العادل، ولذلك قصة يستحسن إيرادها.

بقيت حلب بعد وفاة نور الدين الشهيد في يد ابنه الملك الصالح، ولم يتعرض له صلاح الدين الذي اكتفى بأخذ دمشق وتوحيد مصر وبلاد الشام، وفي سنة 576 توفي الملك الصالح وأعقبت وفاته أن تولى حلب ابن عمه عماد الدين زنكي صاحب سنجار،  فلما بلغ صلاح الدين ذلك توجه إليه وحاصره، ثم اتفق معه على توليته بعض البلاد وأن يتخلى عن حلب، فتسلمها صلاح الدين في أوائل سنة 579، وجعل فيها ولده الملك الظاهر وكان صبياً، وولى القلعة لسيف الدين يازكوج الأسدي وجعله يرتب مصالح ولده.

وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي يعظِّم أخاه الملك العادل، وهو أصغر منه بسنتين، وتوفي سنة 615 هجرية، ويعمل برأيه في جميع أموره ويتيمن بمشورته، ولا يُعلم بأنه أشار على السلطان بأمر فخالفه، وكان السلطان يجمع الأمراء للمشورة فإن كان العادل حاضراً سمع من رأيه، وإن لم يكن حاضراً لم يقطع أمراً في المهمات حتى يكاتبه بجلية الأحوال ثم يسمع رأيه فيها.

فلما صار العادل بمصر وبَعُدَ عن السلطان، صار السلطان يتكلف في مكاتبته بالأخبار، ويؤخر الأمور إلى أن يَرِدَ عليه جوابُه، فيفوته بذلك كثير من منافع الدولة والجهاد، فكاتَبَه بالحضور إليه بعياله وأمواله وجميع أصحابه، وولى مصرَ ابنَ أخيه الملك المظفر تقي الدين.

ولما وصل الملك العادل إلى أخيه صلاح الدين بأمواله وأثقاله، كان صلاح الدين في ضائقة مالية بسبب زيادة عدد عساكره، فأحضر العادلَ ليلاً وقال: أريد أن تقرضني مئة وخمسين ألف دينار إلى الميسور، فقال: السمع والطاعة، ثم قام وخرج من عنده وكتب إليه يقول: أموالي جميعها بين يديك، وأنا مملوكك، وأشتهي أن أحمل هذا المال إلى خدمة السلطان، ويكون عِوَضاً عنه مدينة حلب وقلعتها. فأجابه أخوه صلاح الدين: إنني والله ما أقدمتك إلا لأوليك حلب، وإذ قد اقترحت ذلك فقد وافق ما عندي. وأصدر قراره بوِلاية العادل حلب وأعمالها إلى رَعبَان إلى الفرات إلى حماة، وكتب له التوقيع، واستدعى ولده الظاهر من حلب، فلما حضر أمره بالعود إلى حلب وتسليمها إلى عمه العادل، ففعل وعاد إلى دمشق، وأقبل على خدمة والده والتقرب إليه إلا أن الانكسار لخروج حلب من يده ظاهر عليه، وهو مع ذلك لا يظهر شيئاً إلا الطاعة لوالده والانقياد لمرضاته.

قال الملك الظاهر ابن صلاح الدين: لما بلغني أن السلطان ولى حلب للملك العادل، جرى عليَّ ما قَدِمَ وما حَدِثَ، وأصابني من الهم ما لم أقدر على النهوض به، ووددت أني لم أكن رأيتها ولا دخلت إليها، لأن قلبي أحبها وقبِلَها وطاب لي هواؤها، ولما فارقتها كنت أحن إليها واشتاقها.

وفي سنة 581 قام صلاح الدين بحملة في منطقة الموصل وشمالي حلب لتوحيد هذه المناطق تحت سلطانه، ومرض في أثنائها في حرّان مرضاً أشفى فيه على الموت، فأوصى أن يكون أخوه الملك العادل الوصي على ممالكه وأولاده، وفي أول سنة 582 تحسنت صحة صلاح الدين، فرحل عن حران إلى دمشق ومعه ولداه الظاهر والعزيز وأخوه العادل، وعرفاناً منه بثقة صلاح الدين تنازل العادل عن حلب لأولاد أخيه، وقال: أنا ألزم خدمة أخي وأقنع بما أعطاني. فشكره السلطان على ذلك، وملّكها لابنه الملك الظاهر غازي، وسيَّر أخاه العادل إلى مصر ملكاً عليها.

ولم يلبث صلاح الدين أن زوَّج ابنه الملك الظاهر من غازية خاتون ابنة أخيه الملك العادل تخفيفاً لما قد يبقى في نفسه من أخذ حلب منه وإعطائها لحدث في الرابعة عشرة من عمره، وقد حافظ الملك الظاهر على هذه الصلة معهم، فلما توفيت زوجته هذه، وكانت العلاقات بينه وبين عمه متوترة، أرسل في آخر سنة 608 قاضيه بهاء الدين ابن شداد إلى عمه الملك العادل ليستعطف خاطره، ويخطب ابنته الأخرى ضيفة خاتون، المولودة سنة 581، فزوجها له الملك العادل، وزال ما كان بينهما من الإحن، وقدمت عليه بعد أسابيع، وكان جهازها على ثلاثمئة جمل وخمسين بغلاً ومعها مئتا جارية، فلما أدخلت على الظاهر مشى لها خطوات، وقدم لها خمس عقود جوهر قيمتها ثلاثمئة ألف وخمسون ألف درهم وأشياء نفيسة، وكان عرساً مشهوراً، وجاءه منها في سنة 610 مولود هو محمد الملك العزيز، فأظهر السرور بولادته، وبقيت حلب مُزيَّنة شهرين، والناس في أكلٍ وشُربٍ، ولم يُبق صِنفاً من أصناف الناس إلا أفاض عليهم النعم، ووصلهم بالإحسان، وعمل للنساء دعوةً مشهودةً أُغلقت لها المدينة.

وفي سنة 587 أمر الملك الظاهر بقتل شهاب الدين السهروردي، يحيى بن حبش، ويختلف المؤرخون في اسمه، المولود سنة 549 في سهرورد من قرى زنجان في عراق العجم، وذلك لاتهامه بانحلال العقيدة، وأفتى العلماء بإباحة دمه، فسجنه الملك الظاهر غازي، ثم خنقه في سجنه بقلعة حلب، وكان السهروردي رديء الهيئة زري الخلقة، لا يغسل له ثوبا ولا جسما، ولا يقص ظفرا ولا شعرا!

ولما قاربت الوفاة السلطان صلاح الدين الأيوبي دخل عليه ولده الملك الظاهر غازي فأوصاه بما يلي: أوصيك بتقوى الله، فإنها رأس كل خير، وآمرُكَ بما أمرك الله به، فإنه سبب نجاتك، وأحذِّرُك من الدماء والدخول فيها والتقلد لها، فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية، والنظر في أحوالهم، فأنت أميني وأمين الله عليهم، وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر، فما بلغتُ ما بلغت إلا بمداراة الناس، ولا تحقد على أحد، فإن الموت لا يُبقي على أحد، واحذر ما بينك وبين الناس، فإنه لا يُغفَرُ إلا برضاهم، وما بينك وبين الله يغفره بتوبتك إليه فإنه كريم.

وتوفي السلطان صلاح الدين رحمه الله في سنة 589 عن 57 سنة، واستقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز، ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين علي، وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي، والبلاد الجزرية الواقعة ما بين الفرات وبين دجلة لأخيه الملك العادل.

وما لبث الخُلف أن وقع بين الإخوة فقام  الملك العزيز في سنة 590 بالمسير من مصر إلى دمشق، فحاصرها ليأخذها من أخيه الأكبر الملك الأفضل، فاستنجد الأفضل بعمه الملك العادل وأخيه الملك الظاهر، فجاءا إلى دمشق ومعهم أمراء حماة وحمص والموصل، فلما رأى الملك العزيز اجتماعهم، مال إلى التفاوض على الصلح، واتفقوا أن يكون القدس وما جاوره من أعمال فلسطين للعزيز، وتبقى دمشق وطبرية وأعمالها والغور للأفضل، على ما كانت عليه، وأن يتنازل الأفضل لأخيه الملك الظاهر عن جبلة واللاذقية بالساحل الشامي، وأن يعود العادل إلى مصر كما كان في أيام صلاح الدين.

وفي سنة 599 نشب نزاع بين عم الملك الظاهر الملك العادل أبو بكر بن أيوب، صاحب دمشق ومصر، وبين ناصر الدين أرتق أرسلان بن أيلغازي صاحب ماردين، فجرد الملك العادل حملة إلى ماردين قادها ولده الملك الأشرف موسى، فحاصرها وشن الغارات على أطرافها دون تحقيق نصر حاسم، وتسببت الاضطرابات في زعزعة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في الرابع عشر من جمادى الآخرة

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 6 مايو 2012 الساعة: 01:01 ص

في الرابع عشر من جمادى الآخرة في سنة 5.5 توفي في طوس، عن 55 عاماً، الإمام الجليل أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد بن محمد ابن أحمد.

ولد الإمام الغزالي سنة 450 في طوس، وهي اليوم مشهد في شمال شرقي إيران، ودرس فيها، ولدراسته قصة ذكرها هو رحمه الله وهي أن والده كان يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، فمات وخلف له ولأخيه مقداراً يسيراً، وأوصى بولديه محمد وأحمد إلى صديق له صوفي صالح، فعلمهما الخط، وفني ما خلف لهما أبوهما، وتعذر عليهما القوت، فقال: أرى لكما أن تلجأ إلى المدرسة كأنكما طالبان للفقه عسى يحصل لكما قوت، ففعلا ذلك. قال الغزالي: فصرنا إلى مدرسة نطلب الفقه، ليس المراد سوى تحصيل القوت، فكان تعلُّمُنا لذلك، لا لله، فأبى أن يكون إلا لله.

وبعد دراسته في طوس رحل الغزالي إلى نيسابور التي تبعد مسيرة يوم، ودرس  في المدرسة النظامية على إمام الحرمين، عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي، المتوفى عن 59 سنة في سنة 478 رحمه الله تعالى، وبرز من بين الطلبة بعلمه وانكبابه على الدراسة والتحصيل، فبرع في الفقه في مدة قصيرة، ومهر في الكلام والجدل، حتى صار عين المناظرين، ومعيد الدرس للطلبة، وشرع في التصنيف، ولم يزل ملازماً لإمام الحرمين إلى حين وفاته.

وتعرف الغزالي في هذه الفترة على الشيخ أبي علي الفارمذي، الفضل بن محمد بن علي المتوفى سنة 477، وكان واعظ خراسان وشيخها، وصاحب طريقة حسنة في تربية المريدين والأصحاب، وكان مجلس وعظه روضة فيها أنواع الأزهار والثمار، وهو الذي أسس لنزعة التصوف التي اتجه إليها الغزالي فيما بعد.

وبعد وفاة أستاذه إمام الحرمين سافر الغزالي إلى بلاط السلطان السلجوقي ملكشاه، والتقى بوزيره نظام الملك في بغداد، وكان وزيراً صالحاً يحب العلم والعلماء، فأكرمه الوزير، وجرت مناظرات بينه وبين بعض العلماء ممن كان بحضرة الوزير، فظهر عليهم في هذه المناظرات، واشتهر اسمه، فولاه الوزير في سنة 483 تدريس النظامية، وهو في ريعان الشباب، وعظمت مكانته ببغداد حتى علت على الأمراء والكبار، وأعجب به أهل العراق.

وفي هذه المرحلة ألف الغزالي كثيراً من كتبه في الأصول والفقه والكلام والحكمة والفلسفة، قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: وأدخله سيلانُ ذهنه في مضايق الكلام، ومَزَّال الأقدام، ولله سِرٌّ في خلقه.

وبعد مضي خمس سنوات من مكابدته للفلسفة وشكوكها ومناظرة دعاتها، وتدبيج الكتب فيها، أصبح الغزالي ممن يشار إليه بالبنان في علومها وبين أقرانها، ولكن الغزالي رحمه الله تبرم بهذه العلوم التي لم تزده من الله قرباً، ولم تملأ قلبه خشوعاً وجوارحه خضوعاً، وأدرك أن مفتاح النجاة في الآخرة هو التفكر في العاقبة، وأن الإيمان نور في القلب يدخله بالبحث الصادق عن الحقيقة والحرص على خلاص النفس من الأدران والشبهات، وترك التعلق بالدنيا والمناصب، والبعد عن الشهرة والظهور، فاتجه للزهد والتصوف، ولبِسَ الخشنَ من الثياب، وترك كل مناصبه وسافر إلى الحج.

ورجع الغزالي من الحجاز إلى الشام فأقام في مدينة دمشق مدة يتعبد في منارة المسجد الغربية، ويجاهد نفسه ويروضها، وهو مع إعراضه عن المناصب والوجاهة يُدرِّس في الجامع الأموي تذمماً من كتمان العلم. وألَّف في هذه المرحلة كتابه الكبير إحياء علوم الدين، وأقام الغزالي في هذه الفترة بالقدس سائحاً عابداً على عادة الصوفية آنذاك، ثم عاد إلى بلده طوس في سنة 491. قال أبو منصور الرزاز الفقيه: دخل أبو حامد بغداد فقوَّمنا ملبوسه ومركوبه خمسمائة دينار، فلما تزهد وسافر وعاد إلى بغداد فقومنا ملبوسه خمسة عشر قيراطاً.

ويزعم بعض المؤرخين أنه قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة، وعزم منها على ركوب البحر للاجتماع بأمير المرابطين يوسف ابن تاشفين في مراكش لما بلغه منه من محبة أهل العلم والإقبال عليهم، ثم بلغته وفاته فعدل عن ذلك. قال اليافعي في مرآة الجنان: هذه الزيادة في ذكر دخوله مصر والإسكندرية، وقصده الركوب إلى ملك بلاد المغرب غير صحيحة، فلم يذكر أبو حامد في كتابه المنقذ من الضلال سوى إقامته ببيت المقدس ودمشق، ثم حج ورجع إلى بلاده، والعجب كل العجب، كيف يذكر أنه قصد الملك المذكور ل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في السادس من جمادى الآخرة

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 27 أبريل 2012 الساعة: 01:01 ص

في السادس من جمادى الآخرة سنة 428 توفي في بغداد الشاعر الكبير مِهيار الديلمي، أبو الحسن مِهيار بن مُرْزويه.

ولا تذكر لنا كتب التراجم والأدب شيئاً عن ولادته ونشأته وعائلته، بل تذكر أنه فارسي الأصل كما يدل اسمه، من أهل بغداد، كان منزله فيها بدرب رباح من الكرخ، ثم تذكر أنه كان مجوسياً فأسلم  سنة 394 على يد الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي، المولود سنة 359 والمتوفى سنة 406، وهو شيخه، وعليه تخرج في نظم الشعر، وقد وازن كثيراً من قصائده.

وكانت الحقبة التي عاش فيها مهيار حقبة اشتد فيها التفاخر العنصري الأجوف، وبرز هذا جلياً في أشعار ذلك الزمان، ولم يتخلف عن ذلك مهيار، فهو على الرغم من إسلامه، وصلته القوية بالشريف الرضي، لم يقبل أن يفتخر عربيٌ على عجمي، وهو في الفخر لم ينس أنه فارسي، وأن قومه الفرس كان لهم مجد أعظم حتى من مجد العرب، وأن ليس للعرب فضل إلا الدين، فقال هذه الأبيات:

أُعجِبت بي بين نادي قومها … أمُّ سعد فمضت تسأل بي

سرَّها ما علمت من خُلقي … فأرادت علمَها ما حَسَبي

لا تخالي نسبا يخفضني … أنا من يرضيك عند النسب

قوميَ استولوا على الدهر فتى … ومشوا فوق رؤوس الحِقَب

عمَّموا بالشمس هاماتهمُ … وبنوا أبياتهم بالشُهب

وأبي كسرى على إيوانه … أين في الناس أب مثل أبي؟

سورة الملك القدامى وعلى … شرف الإسلام لي والأدب

قد قبست المجد من خير أب … وقبست الدين من خير نبي

وضممت الفخر من أطرافه … سؤدد الفرس ودين العرب

ويبدو أن هذا التفاخر قد اشتد في وقت ما إلى حد بغيض أخرج مهيار عن طوره إلى ما لا يسر أستاذه الشريف الرضي، ذلك إن مهيار تناول بني هاشم بالنقد اللاذع:

أنا ابن المكارم من آل جَمٍّ … وطالب إرث ملوك العجم

فقل لبني هاشم أجمعين … هلموا إلى الخلع قبل الندم

وعودوا إلى أرضكم بالحجاز … وأكل الضباب ورعي الغنم

وكان الشريف الرضي من رجالات الشيعة في عصره، ويبدو أن مهيار قد تشيع بتأثير من أستاذه وغلا في تشيعه متأثراً بنظرة الشريف الرضي إلى بعض الصحابة رضوان الله عليهم، فتناول بعضهم بالهجاء، فقال له أبو القاسم ابن برهان، عبد الواحد بن علي المتوفى سنة 456 وقد تجاوز الثمانين، وكان من علماء النحو والفقه: يا مهيار قد انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية، فقال: وكيف ذاك؟! قال: كنت مجوسياً، فصرت تسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعرك.

وقد ذكر مهياراً معاصرُه الحافظ الخطيب البغدادي، أحمد بن علي المولود سنة 392 والمتوفى سنة 463، في تاريخ بغداد، وقال: كنت أراه يحضر جامع المنصور ببغداد في أيام الجمعات، ويُقرأ عليه ديوان شعره ولم يقدر لي أسمع منه شيئاً. والغريب أن الخطيب البغدادي لم يذكر أي شيء عن تشيعه وتناوله لبعض الصحابة.

ومهيار شاعر في معانيه ابتكار، وفى أسلوبه قوة وجزالة، جمع بين فصاحة العرب ومعانى العجم، وهو طويل النفس في قصائده، صار شاعر عصره الأول، وصار ديوانه يُقرأ عليه في الجامع، وهو ديوان كبير طبعته دار الكتب المصرية في أربعة أجزاء، ومن أشعاره:

أَستنجدُ الصبر فيكُمْ وهو مغلوبُ … وأسأل النومَ عنكُمْ وهو مَسلوبُ

وأبتغي عندكم قلباً سمحتُ به … وكيف يُرجعُ شيءٌ وهوَ مَوْهوبُ؟

رضاه أسخط أو أرضى تلوُّنه … وكل ما يفعل المحبوبُ محبوب

أستودع الله في أبياتكم قَمراً … تراه بالغيب عيني وهو محجوبُ

ما كنتُ أعلم ما مقدارُ وصلكُمُ … حتى هجرْتُم، وبعضُ الهجْر تأديب

ومن شعره السائر الذي نسج على منواله الشعراء، قصيدة  ابتدأ فيها بذكر الغيث وريحه:

بكَّرَ العارضُ تحدوه النُعامي … فسقاك الريُّ يا دار أماما

وتمشت فيك أنفاس الصبا … يتناجين بأنفاس الخُزامى

ومنها:

وبجرعاء الحمى قلبي فعِجْ … بالحمى واقرأ على قلبي السلاما

وترجل فتحدث عجبا … أن قلباً سار عن جسم أقاما

قل لجيران الغضا آه على … طيب عيش بالغضا لو كان داما

نصِلُ العام ولا ننساكمُ … وقصارى الوجد أن نسلخ عاما

حمِّلوا ريح الصبا نشركم … قبل أن تحمل شيحاً وثُماما

وابعثوا أشباحكم  لي في الكرى … إن أذنتم لجفوني أن تناما

وقف الظامي على أبوابكم … أفيقضي وهو لم يشف الأواما

أشتكيكم والى من أشتكي … غلب الداءُ فمن يبري السقاما

أنتم والدهر سيفٌ وفم … ما يملان ضراباً وخصاما

وله في القناعة، وقد أحسن فيها كل الإحسان:

يُلحى على البخل الشحيحُ بماله … أفلا تكون بماء وجهك أبخلا

أكرم يديك عن السؤال فإنما … قدر الحياة أقل من أن تسألا

ولقد أضم إليَّ فضلَ قناعتي … وأبيت مشتملاُ بها متزملا

وأُري العدو على الخصاصة شارة … تصف الغنى فيخالني متمولا

وإذا امرؤ أفنى الليالي حسرة … وأمانياً أفنيتهن توكلا

ومن بديع مدائحه قوله في قصيدة:

وإذا رأوك تفرقت أرواحهم … فكأنما عرفتك قبل الأعين

وإذا أردت بأن تفل كتيبة … لاقيتَها فتَسمَّ فيها واكْتَنِ

ولما توفي سنة 405 معاصره الشاعر ابن نباتة، عبد العزيز بن عمر التميمي السعدي البغدادي، وكان أحد الشعراء المجودين، قال مهيار الديلمي يرثيه:

حملوك، لو علموا من المحمول … لارتاض معتاصٌ وخف ثقيل

يا ناشد الكلم الغرائب أعوصت … شُبهاً فليس لآيها تأويل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في الثامن والعشرين من جمادى الأولى

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 20 أبريل 2012 الساعة: 01:01 ص

في الثامن والعشرين من جمادى الأولى من سنة 276، توفى، عن 76 عاماً، الإمام المحدث الزاهد أبو عبد الرحمن بَقِيُّ بن مَخْلَد القرطبي الأندلسي، محدث الأندلس وإمامها.

ولد بقي بن مخلد في قرطبة في رمضان سنة 201، وتوجه للعلم منذ صغره، ودرس أول ما درس على أبي عبد الله المعافري، محمد بن عيسى القرطبي المعروف بالأعشى، والمتوفى سنة 221، والذي رحل سنة 179 إلى المشرق فسمع الأئمة من أمثال سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن وهب وجماعة، وكان الغالب عليه الحديث ورواية الآثار، وكان صالحاً عاقلاً سريّاً جواداً.

وسمع بقي في الأندلس على الإمام يحيى بن يحيى الليثي، تلميذ الإمام مالك المولود سنة 152 والمتوفى سنة 234، والذي قال عنه الإمام مالك: هذا عاقل أهل الاندلس.

وحدث بقي بن مخلد عن عبد الملك بن حبيب السلمي القرطبي المولود سنة 174 والمتوفى سنة 238، وكان عالم الأندلس وفقيهها في عصره، وصاحب تصانيف كثيرة قيل إنها تزيد على ألف، وهو أول من أظهر الحديث بالأندلس وإن كان منهجه بعيداً عن صرامة المحدثين في روايته وإجازته.

ورحل بقي إلى المشرق وإفريقية في طلب الحديث وهو في العشرينات من عمره، فسمع في القيروان من الإمام سحنون، عبد السلام بن سعيد المولود سنة 160 والمتوفى سنة 240، والذي روى المدونة عن عبد الرحمن بن قاسم، عن الإمام مالك، وسمع في مصر من ابن بكير، يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي، المولود سنة 154 والمتوفى سنة 231، وسمع في المدينة عن شيخها وقاضيها وفقيها أبي مصعب الزُهري، أحمد بن القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، المولود سنة 150 والمتوفى سنة 242، وذهب إلى بغداد فأخذ عن الإمام أبي بكر بن أبي شيبة مسنده الجامع الحافل، واسم الإمام عبد الله بن محمد، وولد سنة 159 وتوفي سنة 235، وأخذ كذلك في مصر عن حرملة صاحب الشافعي، حرملة بن يحيى التجيبي صاحب الشافعي رضي الله عنه، المولود سنة 166 والمتوفى سنة 243، وكان محدثاً فقيهاً.

وعدد مشايخه الذي حمل عنهم العلم 284 شيخاً، ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهير، وقد وصف حرصه على جمع الحديث وتلقيه عن المشايخ زميلُه في الطلب أحمد بن أبي خيثمة، المولود ببغداد سنة 185 والمتوفى بها سنة 249 فقال: ما كنا نسميه إلا المكنسة، وهل احتاج بلد فيه بقيٌ إلى أن يأتي منه أحد إلى ها هنا؟!

واجتمع بقي بن مخلد بالإمام أحمد بن حنبل وكان أثيراً عنده مقرباً منه، وأخذ عنه فوائد ومسائل ولم يرو له شيئاً مسندا، وقد رويت عن بقي بن مخلد قصص مع الإمام أحمد بن حنبل منها أنه أتى العراق وقد منع أحمد بن حنبل من الحديث، فسأله بقي أن يحدثه وتحايل على المنع بأن كان يأتيه في زي الشحاذين، فيسمع منه الحديث والحديثين حتى اجتمع له عنه نحو من ثلاث مئة حديث. وقد طعن الإمام الذهبي في هذه الروايات واعتبرها منقطعة منكرة، قال رحمه الله في سير أعلام النبلاء: وما وصل ابن مَخلد إلى الإمام أحمد إلا بعد سنة 230، وكان الإمام قد قطع الحديث من أثناء سنة 228، وما روى بعد ذلك ولا حديثا واحدا، إلى أن مات، ولما زالت المحنة سنة 232، وهلك الواثق، واستخلف المتوكل، وأمر المحدثين بنشر أحاديث الرؤية وغيرها، امتنع الإمام أحمد من التحديث، وصمم على ذلك، ما عمل شيئا غير أنه كان يُذاكر بالعلم والاثر، وأسماء الرجال والفقه، ثم لو كان بقيٌّ سمع منه ثلاث مئة حديث، لكان طرز بها مسنده، وافتخر بالرواية عنه. فعندي مجلدان من مسنده، وما فيهما عن أحمد كلمة.

وكانت لبقي بن مخلد رحلتان، أقام في إحداهما نحو عشرين عاماً، وفي الثانية نحو أربعة عشر عاماً، قال ابنه: أخبرني أبي أنه كان يطوف في الأمصار على أهل الحديث، فإذا أتي وقت الحج، أتي إلى مكة فحج، هذا كان فعله كل عام في رحلتيه جميعاً، وكان بقيٌّ في حديثه لتلاميذه يشير إلى انكبابه على العلم وتفرغه له وإلى معاناته وصبره أيام طلبه العلم وسماعه الحديث، قال يوماً لطلبته: أنتم تطلبون العلم؟ وهكذا يطلب العلم؟ إنما أحدكم إذا لم يكن عليه شغل يقول: أمضى أسمع العلم، إني لأعرف رجلاً تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم، لا يكون له عيش إلا من ورق الكرنب الذي يلقيه الناس، وإني لأعرف رجلاً باع سراويله غير مرة في شرى كاغد حتى يسوق الله عليه من حيث يخلفها.

وقيض الله لبقي بن مخلد رفيقاً في رحلته هو داود بن عيسى بن جبوية الكلاعي القرطبي، الذي رحل إلى المشرق فاجتمع مع بقي بن مخلد، وكان داود واسع المال، فسأله بقي أن يتيح له من ماله ما يشتري به الكتب، ويجمع به الدواوين، ويكون سماعهما واحد، وقال له أرجو أن ينفعك الله بذلك، فأجابه داود إلى ذلك فكان سبب استكثار بقي من الرواية والجمع، وعاد بقي بن مخلد إلى الأندلس، ومعه ذخيرة جمة من العلم، ومر في طريقه على مصر فسُرَّ به شيخه يحيى بن عبد الله بن بكير وأجلسه إلى جنبه، وسمع منه سبعة أحاديث،

ومن معاصري بقي بن مخلد المحدث محمد بن بن وضاح القرطبي، المولود سنة 199 والمتوفى سنة 286، الذي رحل كذلك إلى المشرق رحلتين، وتلا بقيَّاً في العودة إلى الأندلس، وبهما انتشر علم الحديث في الأندلس وازدهر، ولكن حدثت بينهما وحشة بسبب ما كان يُنكر على محمد بن وضاح من كثرة رده لكثير من الأحاديث، وبسببها كان كبار أصحاب ابن وضاح لا يسمعون من بقي بن مخلد. ومن معاصريه المحدث ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في الحادي والعشرين من جمادى الأولى

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 13 أبريل 2012 الساعة: 01:01 ص

في الحادي والعشرين من جمادى الأولى من سنة 357 توفي في مصر، عن 65 عاماً، كافور الإخشيدي، أبو المسك كافور بن عبد الله الإخشيدي، الأمير المشهور الذي انتقل من العبودية إلى الملك فأحسن التدبير، وكان حاكم مصر الفعلي مدة تزيد على 23 عاماً.

ولد كافور سنة 292 في الحبشة وأُتي به رقيقاً وهو صغير إلى مصر، فاشتراه بعض أهلها، وحكي أنه كان في ابتداء أمره قبل اتصاله بالإخشيد لحقه جَرَبٌ حتى كان لا يقابل فطرده سيده، وكان يمشي في سوق بني حباسة بالفسطاط، وفيه طباخ يبيع الطبيخ، فطلب كافور منه أن يطعمه، فضربه بالمغرفة على يده، وهي حارة، فسقط مغشياً عليه، فأخذه رجل من المصريين وداواه حتى وجد العافية فأتى إلى سيده فقال سيده للرجل: خذ أجرة ما فعلت. فأبى؛ وقال: أجري على الله. وكان كافور كلما عزَّت نفسه يذكِّرها بضرب الطباخ بالمغرفة، وربما يركب ويأتي الخط وينزل ويسجد شكراً لله تعالى.

ثم اشتراه في سنة 312 أبو بكر محمد بن طُغج الإخشيد بثمانية عشر ديناراً، فنُسب إليه، وكان محمد بن طغج قائداً من قواد الدولة العباسية مقداماً جريئاً تولى مصر بحيلة، وذلك أن التقليد من دار الخلافة ببغداد خرج باسم محمد بن تكين، وكان بن طغج بالساحل فقبض على الرسول الواصل من دار الخلافة وأخذ منه التقليد وكشط تكين وكتب طغج، وأنفذ الأمر إلى مصر، فلم يقبل ذلك وكلاء الدولة وكبارها فهاجم مصر من الشام براً وبحراً وجرت له معهم حروب انتهت بانتصاره واستتباب الأمر له، وأن عيَّنه الخليفة الراضي بالله في سنة 323 والياً على مصر، ثم ضُمت إليه بلاد الشام وجزيرة ابن عمر والحرمين، وكان ملكاً مطاعاً شجاعاً حازماً حسن التدبير مكرماً للجند، بلغت عدّة عساكره بمصر والشام أربعمئة ألف جندي، وترك الإخشيد سبعة بيوت مال، في كل بيت منها ألف ألف دينار من سكة واحدة.

والإخشيد لقب ملوك فرغانة في بلاد ما وراء النهر، وذلك لأن أصل أسرة أبي بكر من ملوك فرغانة، في أوزبكستان، جاءوا إلى بغداد قبل مئة عام في أيام الخليفة المعتصم بن هارون الرشيد، وقد أطلق عليه هذا اللقب الخليفة الراضي بالله في سنة 328 بطلب منه.

وأعتق الإخشيد كافور واعتمد عليه في كثير من المهام ، ففي سنة 330 انتزع سيف الدولة الحمداني مدينة حلب من يد أحمد بن سعيد الكلابّي صاحب الإخشيد، ولما بلغ الإخشيد ذلك أنفذ عسكره مع كافور، فهزمهم سيف الدولة، ودخل حمص فملكها، وسار إلى دمشق ودخلها، فكاتبه الإخشيد، وبذل له الموادعة بعد أن بذل له أن يحمل إليه من المال نظير ما كان يحمل لابن رائق، فلم يجب إلى ذلك، وقال: جوابك إذا دخلت مصر إن شاء الله. ثم جرت بينهما أمور، واتَّفقا على أن يكون لسيف الدولة حمص وحلب وما بينهما، وانسحب من دمشق، وتمتيناً لهذا الاتفاق تزوج سيف الدولة بابنة أخي الإخشيد.

ثم جعل الإخشيدُ كافورَ أتابك ولديه، أي مربيهما، وأوكل إليه مهمة الوصاية علىهما إن تسنما الملك، وفي سنة 331 كان الخليفة العباسي المتقي بالله في بغداد يعاني من تسلط القادة الأتراك في جيشه، فخرج الإخشيد إلى الشام واجتمع بالخليفة المتقي بالله في الرقة، وأظهر له الولاء التام، ودعاه ليسير معه إلى مصر وخوفه من توزون التركي، فلم يقبل منه، فضم إليه الإخشيد عسكراً وقائداً من قواده، ورجع الإخشيد إلى الشام، ثم إلى مصر، وولاه المتقي مصر والشام والحرمين، وعقد لولديه من بعده، أنوجور وعلي، على أن يكفلهما كافور، وبناءً على ذلك قام الإخشيد بأخذ البيعة على الناس لولده أبي القاسم أنوجور، وكتب الإخشيد بأخبار هذه السفرة إلى كافور في مصر، ومما يدل على متانة العلاقة بين الإخشيد وكافور أنه تباسط مع معتوقه وأظهر له سروره بأن الخليفة كنّاه، والخليفة عادة لا يكني أحداً، فقد كتب الإخشيد: ومما يجب أن تقف عليه، أطال الله بقاءك، أني لقيت أمير المؤمنين بشاطىء الفرات، فأكرمني وحَبَاني، وقال: كيف أنت يا أبا بكر أعزك الله.

وتوفي الإخشيد في دمشق، عن 66 عاماً، في آخر سنة 334، فقام كافور في دمشق بضبط الأمور وترتيب الولاية لابنه الأكبر أبي القاسم أنوجور، ومعناه بالعربي محمود، وكانت سنه 12 عاماً، وقام الوزير الكبير القدير أبو بكر محمد بن علي المادرائيّ، الذي كان مَلِكاً في صورة وزير، بترتيب الأمور في مصر، ثم جاءت الولاية لأنوجور من الخليفة العباسي الراضي بالله في بغداد، وطمع سيف الدولة الحمداني في مُلك الشام لما توفي الإخشيد، فسار إلى دمشق وملكها، ثم سار إلى فلسطين حتى وصل إلى الرملة  وخرج كافور بعسكر من مصر إلى الشام رئيسه أبو المظفر بن طُغج، أخو الإخشيد، وفيه أنوجور ابنه، فالتقوا في الرملة وكانت الهزيمة على سيف الدولة، وتبعوه إلى حلب، فخافهم سيف الدولة فعبر إلى الجزيرة، وأقام أنوجور على حلب، ثم استقر الصلح بينهما، وعاد أنوجور إلى مصر وعاد سيف الدولة إلى حلب، وأقام كافور بدمشق يسيراً ثم عاد إلى مصر.

وكان كافور يدير الدولة وهو في دمشق، وقام في سنة 335 بعزل أبي نصر غلبون بن سعيد المغربي، وكان يتولى عمل أسيوط وأخميم من صعيد مصر، فامتنع وطمع لخلو البلاد من الأستاذ كافور، واستطاع هزيمة القوات التي أرسلت مرة تلو الأخرى لقمعه، واقترب من العاصمة مصر، وانضم إليه الوزير الكبير أبو بكر محمد بن علي المادرائيّ، فرحل عنها أبو القاسم أنوجور وأخوه وأهلهما، وأخليت دار الإمارة، فدخل غلبون مصر وسير عسكراً وراء أبي القاسم ليمسكه.

وبلغت أخبار التمرد إلى كافور في الشام فأرسل جماعة من الأمراء في قوة عسكرية فالتقت مع أبي القاسم في الطريق، فعاد أبو القاسم إلى مصر بالعسكر فوجدوا غلبون قد تفرق عنه أصحابه في البلد، فحاربهم في نفر يسير، فانهزم، واعتقلوا الوزير المادرائي ودخلوا دار الإمارة، وعادت الدولة إلى الإخشيدين.

وقدم كافور من الشام في سنة 336 فأطلق سراح الوزير المادرائي الذي اعتزل الأعمال وبقي معززاً مكرماً إلى حين وفاته سنة 345، واستوزر كافور أبا الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة، ولم تكن هذه آخر الاضطرابات ففي سنة 348 خرج شبيب العقيلي والي الرملة والساحل، وسار إلى دمشق واستولى عليها، ولما دخلها من باب الجابية وقع عن فرسه ميتاً، واختلف في موته، فقيل إن امرأة أرخت عليه حجر طاحون، وقيل بل مات حتف أنفه، واتصل الخبر بالأستاذ كافور فسكن بعد قلق عظيم.

وعظم أمر كافور وخاطبه القُوّاد بالأستاذ، وصاروا يجتمعون عنده في دار فيخلع عليهم ويحملهم ويعطيهم، وانبسطت يده في الدولة، فعزل وولى وأعطى وحرم، وصار يجلس للمظالم في كل سبت، ويحضر مجلسه القضاة والوزراء والشهود ووجوه البلد، ووقعت بينه وبين الأمير أونوجور في سنة 343 وحشة، وسببها أن سعاة كلموا أنوجور وقالوا له: قد احتوى كافور على الأموال وانفرد بتدبير الجيوش وأخذ أملاك أبيك وأنت معه مقهور. وحملوه على التنكر له، فلزم أنوجور الصيد والتباعد فيه إلى المحلة وغيرها، وانهمك في اللهو، ثم قرر المسير إلى الرملة، وكانت والدته عاقلة أدركت عواقب فعل ابنها، فأعلمت كافورا بما عزم عليه ولدها خوفا عليه، فلما علم كافور بذلك راسله، ثم بعثت أمه إليه تخوفه الفتنة فاصطلحا قبل أن تتفاقم الأمور، فخلا الجو لكافور دون منافس، وفي ذلك قال أبو الطيب المتنبي يمدح حلمه وأناته وبعده عن سفك الدماء:

حسم الصلحُ ما اشتهته الأعادي … وأذاعته ألسن الحسادِ

وأرادته أنفس حال تدبيرُك ما بينها وبين المرادِ

إنما تنجح المقالة في المرء إذا وافقت هوى في الفؤادِ

ولعمري لقد هُزِزتَ بما قيل فأُلفيتَ أوثق الأطوادِ

نلت ما لا ينال بالبيض والسمرِ وصنت الأرواح في الأجسادِ

ما دروا إذ رأوا فؤادك فيهم … ساكنا أن رأيه في الطرادِ

ففدى رأيك الذي لم تفده … كل رأيٍ معلمٍ مستفادِ

وإذا الحلم لم يكن في طباعٍ … لم يحلم تقدمُ الميلادِ

فبهذا ومثله سدت يا كافور واقتدت كل صعبِ القيادِ

وقام كافور بتدبير دولة أبي القاسم أنوجور أحسن قيام، وكان كافور هو الحاكم في دولته، وليس لأبي القاسم إلا مجرد الاسم، وتوفي أنوجور في أواخر سنة 349 وهو في السابعة والعشرين، فسرت الشائعات أن كافور دسَّ له السُّم فقتله.

وأقام كافور في الملك بعده، أخاه أبا الحسين عليّا، وجرى كافور معه على قاعدته مع أخيه، واستبدّ بالأمر دونه، وأطلق له في كل سنة أربعمئة ألف دينار، واستقل بسائر أحوال مصر والشام، ففسد ما بينه وبين الأمير أبي الحسن عليّ، فضيّق عليه كافور ومنع أن يدخل عليه أحد، ومنعه من الظهور إلى الناس إلا معه، ثم توفي علي أوّل سنة 355 وله 31 سنة، وخلف ولداً واحداً هو أبو الفوارس أحمد.

وكانت الشيعة بمصر يخرجون في يوم عاشوراء، وحدثت في سنة 350 في يوم عاشوراء منازعة بين الجند وبين جماعة من الشيعة عند قبر كلثوم العلوية بسبب ذكر السل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدث في الرابع عشر من جمادى الأولى

كتبها محمد زاهد أبوغدة ، في 6 أبريل 2012 الساعة: 01:01 ص

في الرابع عشر من جمادى الأولى من عام 498 توفي في واسط، عن 89 عاماً، الفقيه الأديب ابن أبي الصقر الواسطي، أبو الحسن محمد بن علي بن عمر، الفقيه الشافعي الذي غلب عليه الأدب والشعر واشتُهِر به.

ولد ابن أبي الصقر سنة 409 في واسط، وهي مدينة أنشأها الحجاج بين البصرة والكوفة، وكان يقول: أنا من ولد الوزير أبي الصقر إسماعيل بن بلبل. والوزير المذكور من كبار وزراء المعتمد وزر له مرات ثم نكبه وقتله في سنة 278.

ابتدأ ابن أبي الصقر حياته بطلب العلم في واسط فسمع الحديث عن عبيد الله بن هارون القطان الواسطي، المتوفى سنة 424، وأخذ الأدب عن أبي غالب ابن بشران محمد بن أحمد الواسطي المعروف كذلك بابن الخالة، والمولود سنة 380 والمتوفى سنة 462، وكان في زمانه أحد الأئمة المعروفين والعلماء المشهورين، صاحب نحو ولغة وحديث وأخبار ودين وصلاح، قرن بين الرواية والدراية والفهم وشدة العناية، وإليه كانت الرحلة في زمانه، وكان شاعراً رقيقاً .

وأخذ النحو في البصرة عن أبي الحسن محمد بن محمد بن عيسى الخيشي البصري النحوي، المتوفى سنة 438، وكان من أئمة النحاة المشهورين بالنبل والفضل، ثم رحل ابن أبي الصقر إلى بغداد بعد سنة 459 فدرس في المدرسة النظامية الفقه الشافعي على الإمام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، إبراهيم بن علي المولود سنة 393 والمتوفى سنة 476، وصاحب كتاب طبقات الفقهاء، وسمع ابن أبي الصقر من الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، المولود سنة 392 والمتوفى سنة 463، وصاحب كتاب تاريخ بغداد. وروى عنه جماعة من محدثي عصره.

وفي سنة 469 حدثت فتنة في بغداد بين الأشاعرة والحنابلة، فقد جاء إلى بغداد من نيسابور في طريقه إلى الحج أبو نصر ابن أبي القاسم القُشيْريّ، عبد الرحيم بن عبد الكريم المولود سنة والمتوفى سنة 514، وجلس يعِظ الناس في المدرسة النظامية وفي غيرها، وساقه اندفاع الشباب إلى أن أخذ يذم الحنابلة، وينسبهم إلى التجسيم، وكان رأس الحنابلة ببغداد الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي العباسي، عبد الخالق بن عيسى، المولود سنة 411 والمتوفى سنة 470، فعزمت مجموعة من الأشاعرة أن تهجم على الشريف أبي جعفر في مسجده، فرتب الشريف جماعة لردهم،  فلما وصل أولئك إلى باب المسجد رماهم هؤلاء بالآجر. فوقعت الفتنة، وقتل من أولئك رجل من العامة، وجرح آخرون.

وأغلق أتباع القشيري أبواب سوق المدرسة النظامية، وهتفوا باسم الخليفة الفاطمي في مصر، وقصدوا بذلك التشنيع على الخليفة العباسي المقتدي لكونه حنبلياً والشريف أبي جعفر ابن عمه.

وكاتب فقهاءُ الشافعية نظام الملك بما جرى، فورد كتابه بالامتعاض من ذلك، والغَضَب لتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى، وكان الخليفة يخاف من السلطان ووزيره نظام الملك ويداريهما.

وكان ابن أبي الصقر شديد التعصب للمذهب الشافعي، وله قصائد تدعى الشافعيات، وهو كما رأينا من تلاميذ الإمام الشيرازي الذي أهين في هذه الواقعة، فكتب ابن أبي الصقر إلى نظام الملك قصيدة يستثيره ويستنصره إزاء هذه الأحداث، وأشار فيها إلى أن مؤيد الملك ابن الوزير يدرس في المدرسة النظامية:

يا نظام المُلك قد خلَّ ببغداد النظامُ

وابنك القاطن فيها مستهانٌ مستضام

وبها أودى له قتلى غلام فغلام

والذي منهم تبقّى سالماً، فيه سهام

يا قوام الدين لم يبق ببغداد قوامُ

عظُم الخَطْب فللحرب اتصالٌ ودوام

فمتى لم يحسم الداء بأيديك الحِسام

ويكفّ القومَ في بغداد قتلٌ وانتقام

فعلى مدرسة فيها ومنْ فيها السلام

واعتصام بحريمٍ لك من بعْد حرام

وحل الخليفة القضية بأن دعا إلى مجلس حضره كبار الطرفين، ونتج في آخره أن فُرِضَ على الشريف أبي جعفر ما يشبه الإقامة الجبرية في قصر الخليفة، واستدعى الوزير أبا نصر القشيري من بغداد، وعزل وزيرُ الخليفة فخر الدولة بن جهير، لاتهامه بالتمكين للحنابلة وممالئتهم.

وقصد ابن أبي الصقر مرة الوزير نظام الملك، فمنعه البواب، فكتب إليه:

لِلهِ دَرُّك إِنَّ دارَك جنَّةٌ … لكِنَّ خلفَ البابِ منها مالكا

هذا نظامُ الملك ضدُّ المقتضى … إذْ كان يَرْوِي عن جَهَنَّمَ ذالِكا

أنعِمْ بتيسير الحجاب، فإِنَّني … لاقيتُ أنواعَ النَّكالِ هُنالِكا

مالي أُصادفُ بابَ دارِك جفوةً … وأنا غنيٌّ، راغبٌ عن مالكا؟

فأذن له نظام الملك، وقال: إذا كنت غنياً عن مالنا، فانكفِئ! فقال: كلانا شافعي المذهب، وقد جئتك لمذهبك لا لذهبك.

ومن أمراء منطقة بادية العراق صدقة بن منصور بن دبيس المزيدي الأسدي، الملقب سيف الدولة، والمولود سنة 442 والمتوفى سنة 501، ولي إمرة بني مزيد بعد وفاة أبيه سنة 479 فبنى الحلة بين الكوفة وبغداد، وأسكن بها أهله وعساكره سنة 495، وكان شجاعا بطلا، حازما طماحا إلى التغلب والسيادة، موصوفا بمكارم الأخلاق، ثارث في أيامه الفتن بين أبناء ملِكشاه السلجوقي، فاحتل صدقة الكوفة واستولى على هيت وواسط ثم البصرة، وانتظم له ملك بادية العراق، إلى أن زحف عليه السلطان محمد بن بركيارق ابن ملكشاه، بجيش فيه خمسون ألف مقاتل، فنشبت بينهما حرب طاحنة انتهت بمقتل صدقة عند النعمانية. ولما دخل صدقة بن منصور واسطاً في سنة 496، وظفر بأعدائه عفا عنهم، فدخل إليه ابن أبي الصقر وسنه 87 سنة، وأنشده:

ظفَّرَ اللهُ بالعُداة الأميرا … مثلما ظفَّرَ البشيرَ النَّذيرا

يومَ بَدْرٍ، فإِنّه كان يوماً … قَمْطَريراً على عِداه عسيرا

أيها المنعمُ الذي واسط تَذكرُ إِنعامَه عليه الكثيرا

حين وافيتَها بفِتيانِ صِدقٍ … لا يولُّونَ في اللقاء الظُّهورا

يا بني مَزْيَدٍ، لأيامنا دُمتمْ شموساً، ولليالي بدورا

يا بني مزيد غُيوثاً بقيتُمْ … ولُيوثَ الثَّرَى أميراً أميرا

قلنا إن الأدب والشعر غلبا على ابن أبي الصقر واشتهر بهما، وكان كاملا في البلاغة والفضل وحسن الخط وجودة الشعر، وكان في بداية أمره ينظم الأشعار في الغزل والشوق، ويتغنى بها المغنون،  ومن ذلك قوله:

وحُرمةِ الوُدِّ مالي عنكمُ عِوَضُ … لأنَّني ليس لي في غيركم غَرَضُ

أشتاقُكم وبوُدّي أن يواصلَني … لكم خَيالٌ، ولكن لست أغتمضُ

وقد شرَطْتُ على قوم صحِبتُهُمُ … بأنَّ قلبي لكم من دونهم، ورَضُوا

ومِن حديثي بكم، قالوا: به مرض، … فقلت: لا زال عنّي ذلك المرضُ

وله في تفاحة حمراء:

أَهدى لقلبي قمَرٌ، … طالَ إليه قَرَمي

تُفّاحةً، أُحيي بها … قلبي وكفّي وفمي

فلستُ أدري، إذْ بدت … ولونُها كالعَنْدَمِ

مِن نَفَسي تورَّدت؟ … أم حَمَلَتْ وِزْرَ دمي؟

وكان ابن أبي الصقر ماهراً في الألغاز الشعرية، وهو فن ازدهر في تلك الفترة وما بعدها إلى آخر الفترة المملوكية، قال ابن أخته: وجدت بخط خالي من شعره لغزاً، لم يفسره، فكتبت بالبصرة سنة 539 إلى الأمير حسام الدولة أبي الغيث، محمد بن المغيث، فكتب جوابها: فمن ذلك قول ابن أبي الصقر:

وأيُ شيءٍ طولُه عَرضُه … أضحى له عندَك مقدارُ؟

دلَّ عليه حسنُ طبعٍ له، … ففيه للعالم أوطارُ

تُمسكه الكفّ، ولا تشتكي … منه احتراقاً، وبه نارُ

وجواب الأمير أبي الغيث البصري، رحمه الله تعالى:

يا مَنْ أتانا مُلغِزاً فكرَهُ … لِلُّغْز يستفتي ويمتارُ

أَلْغَزْتَ في الّدينار، فامتَرْ به … إِنْ كنتَ مَنْ للعلم يمتار

وقول ابن أبي الصقر عفا الله عنه:

وما شيءٌ له رأسٌ وسنُّ … وفي أسنانه قَلَحٌ ونَتْنُ؟

وقد كُسِيَ البياضَ، وليس فيما … يُلابسُهَ دِبيقيٌّ وقُطنُ

يُعَرِّيهِ ويَنْظِمهُ لأجلِ الثياب، فمنه تَمَّ لهنَّ حسنُ

يُقَلقَلُ منه سنٌّ بعدَ سنٍّ، … ولا يبكي لذاك، ولا يَئِنُّ

وما هو عنبرٌ، وبه دَعاهُ … ذوو فهمٍ كما لَهُمُ يَعِنُّ؟

وجواب أبي الغيث:

ألا يا أيُّها الحَبْرُ المُوافِي … بألغازِ لها في الحسن فَنُّ

ظننتَ بأنَّ خالَك ليس يُلْفَى … له نِدٌّ، وليس كما يُظَنُّ

له زمنٌ مضى، ولنا زمانٌ … وكلٌّ في صِناعته مُرِنٌّ

برأس الثُّوم والأسنان منه … عَنَيْتَ، فخُذْ وقلبُك مطمئنُّ

فهاتِ اللُغْزَ ممتحناً، فقلبي … إلى ما صاغَه منه يَحِنُّ

كان الكبريت يستعمل دواءً للأمراض الجلدية، ومن شعر ابن أبي الصقر ما كتبه إلى قادم من بغداد يسأله أن يحضر معه شيئاً من الكبريت لأنه في البيت أساسي مثل الفتيت، وهو الخبز الذي يفت ث

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي